Azemz : الأربعاء 28 تموز (يوليو) 2010

    
Libya Imal
<p>ADEG N LIBYA N YIMAL</p>

  الصفحة الأساسية » الأدب

نسخة من المقال للطباعة Enregistrer au format PDF

الكتــاب الأســود : رسالة الأديب سعيد سيفاو المحروق، إلي العقيد القدافي

 28 تموز (يوليو) 2010    Libya

مقدمة

لن نكتب مقدمة كان لسعيد سيفاو المحروق نفسه أن يكتبها، لو لم يفقد أنفاسه الأخيرة، ورحل دون أن ينهي مسودة الرسالة( الكتاب الأسود) التي خاطب فيها العقيد معمر القدافي بجرأة لا مثيل لها، سيرا على نهج تلك المقالات الأدبية والتاريخية والسياسية التي كلفته سرير الموت.

رصد سيفاو، من خلال كتابه الأسود، مختلف أشكال التصفيات الجسدية والرمزية للرموز الليبية عامة، وتلك المطاردات والمداهمات ومحاولات الإغتيالات التي استهدفته بخاصة، منذ عهد الملك إدريس السنوسي إلى عهد حكم العسكر بقيادة معمر القدافي، وهو الكتاب الذي لم يستطع إنهاؤه على مدى السنتين الأخيرتين من حياته “الربع جسدية”، تتخله مواقفه وآراءه التقدمية عن الأمازيغية.

لم يكتب المحروق المخطوطة، كعادته فيما يكتب، حيث ترك بعض البياضات دون أن يملأها،وقد تصرفنا في ملأها(الإضافة مصحوبة بالعلامة*)، دون أن نغير في النص الأصلي أي شئ، رغم أنه كتب بخط واضح ، بلا شطب ولا محو، وبقلم شد على الورق جرحه، وأحيانا لم يهتم بالنقط وبالفواصل وبوسائط الربط بين الكلمات والجمل، لكنه سطر على مقولات وحرص على وضع علامات التشديد والترقيم وحركات التحريك، حيث يمكن لقراءة الكلمة أن تلتبس، توحي على أن الرجل كتب الرسالة/الوصية وهو يصارع الموت.

ونحن بهذا العمل الذي قمنا به لإخراج الرسالة الأخيرة لسعيد سيفاو في كتاب، طالما أرجأنا العمل على تراثه خاصة ما يتعلق منه بالقسم الذي لم ينشره، اقتصر عملنا حتى الآن، على إدراج الإضافات، كما ذكرنا، في متن النص، وفق إرشادات معارفه وأبناء بلدته، ولهم شاكرون، نذكر من بينهم نشطاء الحركة الأمازيغية الليبية والذين أبدوا تعاونهم معنا من خلال إنجاز نبذة عن حياة الفقيد. ولعل اختيارنا هذا الوقت بالضبط لنشر هذه الرسالة التي كان قد قرر الشهيد إرسالها إلى العقيد معمر القدافي وإلى المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، لو لم يوافه الآجل، اختيارا مقرونا بحدثين، أولهما، لتحقيق أمنية سيفاو في الذكرى الخامسة عشر لاستشهاده، وثانيهما تزامنه مع أشغال الندوة الدولية التي يعتزم معمر القدافي تنظيمها بالمغرب حول “عروبة شمال أفريقيا”، تلك الندوة التي جند لها العقيد، بتعاون مع النظام القائم بتمازغا الغربية، مبالغ مالية مهمة مستخرجة من مال الشعب الأمازيغي الليبي، لإرشاء أشباه المؤرخين والمثقفين ورهط من الإيديولوجيين… من أجل تزوير تاريخ تمازغا. وهي الندوة التي لن تمر دون أن تجابهها أفكار سعيد سيفاو المحروق، كما عودنا على ذلك، حين كان قيد الحياة الجسدية، ولعل نشر هذه الرسالة في الوقت الراهن، تنذر قاتل جسد الفقيد أن حياته الفكرية حية لا تموت، إنها ذات الأفكار التي تحرك جسد كل مناضل أمازيغي في تمازغا.

والحال أن المفكر سعيد سيفاو المحروق، كتب هكذا رسالة ما بين أعوام 1992 و1994، مستهلا إياها بتعليق على مضامين “ندوة الفكر الثوري”سبق للقدافي أن نظمها سنوات السبعينات، التي لن تختلف عنها، بدون شك، هاته المزمع تنظيمها شهر يونيو 2009 بالعاصمة المغربية، حيث أثيرت في تلك الندوة قضية تصفية “الشعوبية”، أي” تصفية كل كاتب بربري”. لقد كتب المحروق ذات الرسالة مخاطبا حاكم ليبيا:” منذ إعلانكم للنقاط الخمس في 1973 بما تحتويه من تعطيل كافة القوانين وحرق المكتبات و تصفية الحزبية – رغم أنه لم يوجد أي حزبيين في ذلك الوقت – ولا في العهد الملكي السابق- منذ ذلك الحين آثرت الانزواء و الانقطاع عن الكتابة التي بدأتها منذ 1962، نظرا لأنني كنت أدرك أنني لقمة سائغة اجتماعيا، حيث أنني يتيم من جهة الأم منذ 1960 ولا علاقة لي بأي أقارب لا من جهة الأب و لا من جهة الأم ولا علاقة لي بمسقط رأسي منذ ميلادي بجادو في 1946…”ولعله كلام يستوقف النظر مليا ويدعو إلى بحث قضية “الفكر البربري المغتال”، منذ تلك الفترة، من أحد جوانبه الكبرى. فقد كان معمر القدافي لسنوات خلت، حتى قبل أن تصدر عن ندوته هاته التوصيات، يمثل تفكير “الثورة العربية المجيدة”، وتفكير السلطة العليا في ليبيا، وليس يجوز أن ينطق بشئ من هذا القبيل، منذ قيام سلطانه(الفاتح سبتمبر1969)، إلا كان ما ينطق به مظهرا عن حقيقة تفكيره حين كان قذافا للدم وحتى بالنسبة للذين أوصلوه إلى ذالك الموقع الرئاسي الأبدي، وإنما تبسط حدود سلطانه وتمتد حتى تكون في سعة “أمته” كلها، وحتى يكون وجود فكر مناصريه وجودا لقومهم أنفسهم.

إن ما أكد عليه المحروق وهو طريح الفراش منذ مداهمته بسيارة في 21 فبراير 1979، في حينه، يمثل اعترافا عميقا من سلطة المفكر الأمازيغي المموقعة في حقلها التاريخي، حيث” كانت الحركات السياسية في المغرب”تمازغا” تقوم، ولازالت، على رفض الإسلام جملة وتفصيلا باعتياره دين قومي عربي خاص بالعرب وحدهم، فكأن الأمر بحاجة إلى انتزاع الإسلام كغطاء للبربرية، بعدما فرض بطريقة أو بأخرى”، لكي تنكشف تلك الحقيقة من طرف هذا المفكر اللائيكي “ذا الميول الثقافية البربرية المحضة، مرة واحدة وللأبد”، مع العلم أن المقولة ذاتها أثبتت حقيقتها على صعيد الواقع المشخص في معظم الأنساق التي شهدتها الشعوب حتى الآن، بما في ذلك النسق الأمازيغي عموما، والليبي من ضمنه على نحو خاص. ههنا يصح القول بأن مصرع سعيد سيفاو المحروق ومولود معمري وآخرون يماثل، في الصيغة العامة الإجمالية، واقع الحال الذي واجهناه في حالة اختطاف رائد الفكر الأمازيغي اللساني بوجمعة هباز. وإذا كان البناء السلطوي النظامي الشمال أفريقي قد أفصح عن نفسه تجاه الفكر والمفكرين الأمازيغ من موقع احتمالين اثنين، هما احتمال الإعتراف بهؤلاء ضمنا وبالمعنى الوظيفي والعضوي حين يكون ذلك البناء قائما متماسكا، واحتمال الوعي الشمولي والعميق كثيرا أو قليلا بدورهم وأهميتهم حين يكون البناء المعني قد خرج من أيدي رموز له ودخل في حقل رموز جديدة، فإن هنالك احتمالا ثالثا لعملية الإفصاح تلك، ذلك هو مواجهة الفكر والمفكرين من موقع السلب بالمعنى المنطقي والسياسي. أما كيفية تشخص ذلك فتكمن في تسليط الحراب ضدهم حيثما كانوا ومن أي منحدر اجتماعي وإيديولوجي أتوا. في هذه الحال، نكون وجها لوجه أمام النمط الظلامي من الرموز السلطوية، سواء أكانت سائدة أو مسودة، آمرة أو مأمورة، آجرة أو مأجورة أقلامها أو عصاها. وبالضبط في تلك الحال، نلاحظ أن مصرع سعيد سيفاو ومولود معمري واختطاف بوجمعة هباز…، يجسد حصيلة المواجهة الظلامية النظامية المذكورة. ويبقى القول صحيحا، أيضا على هذا الصعيد، بأن اعترافا/جرما ؟؟؟ كبيرا بأهمية الفكر والمفكرين نقرأه لدى رموز ذلك النمط النظامي، أما هذا الإعتراف فيتجلى في تكويناتهم ذات البعد الوحشي الغاشم وفي رعبهم من معارضيهم فكرا، وعلى المستوى السياسي والإجتماعي نواجه صراعا بين صبغة من ممارسة وحشية غاشمة تشهر كل الأسلحة في وجه الخصوم الفكريين، بما في ذلك سلاح الإبادة الجسدية، وبين صبغة أخرى من الممارسة تضع-على صعيد علائقها بخصومها- صراعها التاريخي الإجتماعي والسياسي والإيديولوجي والنظري والمعرفي في اعتبارها الأول، وهذا بدوره، يشير إلى أننا، على كلا المستويين المذكورين، أمام نسقين ذهنيين متناقضين ومتضادين بالإعتبارين الرئيسيين، البنوي والوظيفي، مما يقود –من موقع النسق الأول- إلى الحسم الإيديولوجي والإجتماعي التالي: إما هذا وإما ذاك، وبالضبط عبر وسائط قمعية تتواتر ما بين زندقة الخصم بإعلانه مستجلبا من الخارج، أي بانتزاع هويته التاريخية والإجتماعية منه، وإبادته جسديا بمثابته عنصرا شائها مشوها وزائفا. ونحن في رصدنا لموقف ههنا، لسنا إلا في معرض الإثارة الأولية لبعض المسائل التي سيكون على علمي الإجتماع السياسي والثقافي في الوضعية الأمازيغية الراهنة أن يمنحاها أهمية متصاعدة تصاعد الحدث المشخص الذي يمثل-في هذا السياق- مادة بحثهما. لقد خسركم الأمازيغ جميعا، أيها المفكرون: سعيد سيفاو المحروق، مولود معمري وبوجمعة هباز … واللائحة طويلة. وإننا إذ نعلن ذلك، فإننا لانعلنه من موقع هؤلاء المفكرون المغتالون والمسلوبة حياتهم وحريتهم فحسب، وإنما كذلك-بل بالدرجة الأولى- من موقع القوى الأمازيغية الطامحة إلى تكوين سلطتها الشعبية، تلك القوى، التي قدم المفكرون الشهداء حياتهم الغالية الزاخرة من أجلها والتي تجسد البديل التاريخي المشروع إيديولوجيا ومعرفيا في هذه الأوطان التي أريد لها أن تهشم. ومن هنا كان تكريم ذكرى استشهاد سعيد سيفاو المحروق واستشهاد واختطاف واعتقال جموع المفكرين والكتاب والمناضلين الأمازيغ التقدميين المستنيرين هو بمثابة تكريم للفكر الأمازيغي المنافح عن حرية هذه الأوطان واستقلالها وتقدمها.

سعيد باجي


من المواطن: سعيد سيفاو المحروق

غوط الشعال- عمارة أبو جناح

الدور الثاني شقة رقم 4

هاتف 830570 طرابلس

إلى سيادة: العقيد معمر القذافي

قائد ثورة الفاتح من سبتمبر

طرابلس

منذ إعلانكم للنقاط الخمس في 1973 بما تحتويه من تعطيل كافة القوانين وحرق المكتبات و تصفية الحزبية – رغم أنه لم يوجد أي حزبيين في ذلك الوقت – ولا في العهد الملكي السابق- منذ ذلك الحين آثرت الانزواء و الانقطاع عن الكتابة التي بدأتها منذ 1962، نظرا لأنني كنت أدرك أنني لقمة سائغة اجتماعيا، حيث أنني يتيم من جهة الأم منذ 1960 ولا علاقة لي بأي أقارب لا من جهة الأب و لا من جهة الأم ولا علاقة لي بمسقط رأسي منذ ميلادي بجادو في 1946. حيث أنني لا أكاد أعرفها على الإطلاق إلا بما أقرأه في الكتب، فإذا أضفنا إلى ذلك “ندوة الفكر الثوري” التي أثيرت فيها في تصفية “الشعوبية” أي تصفية كل كاتب بربري، لأن الشعوبية لم تعرفها ليبيا كمصطلح تاريخي يدل على اتجاه سياسي في أي عصر منذ العصور العربية، لأن الشعوبية حركة فارسية محضة، لكن في تلك الندوة أثيرت لأول مرة في تاريخ المغرب رغم أنه لا يوجد هنا أي فارسي، و لأن الحركات السياسية في هذا المغرب كانت تقوم ولا زالت – على رفض الإسلام جملة وتفصيلا باعتباره دين قومي عربي خاص بالعرب وحدهم، لكن حيث أن الإسلام فرض بطريقة أو بأخرى ظننتم وظن سيادة بوزيد دوردة أن بعض البربر- ومنهم أنا- حين يقولون بالإسلام كغطاء للبربرية- رغم أنني عارِ من هذا الإسلام لأنني اكتفيت بالبربرية اللائكية. لقد كنت ذا ميول ثقافية بربرية محضة، مرة واحدة وللأبد، تحت أي ظرف من الظروف، وسوف أتوسع في هذه المسألة فيما بعد.

المهم منذ ذلك الإعلان ومنذ تلك الندوة والأسباب السالفة لم أكتب حرفا ولا جالست أحدا تقريبا إلا ما تمليه مقتضيات العمل أو الترفيه.

لكن في يوم من أيام أواخر أغسطس التقيت في فندق الشاطئ شخصا كنت أظنه مجرد كاتب، هذا علاوة على أنه يشكو لي دائما من مطاردة المباحث له لأنه يقيم في روسيا، هذا الشخص هو سيادة: إبراهيم الكوني، الذي يدعى في أوائل السبعينات شعوبي هو الآخر لأنه طارقي، فوجئت بسيادته بقوله لي أن عبد الرحمن يريدني أن أكتب في الموضوع. من هو عبد الرحمن ؟ سألته، وما هو الموضوع؟ قال : إنه: عبد الرحمن شلقم، قلت له لا أعرف شخصا بهذا الإسم، ثم ماهو الموضوع؟ قال إنه موضوع المغرب و المشرق في صحيفة الأسبوع السياسي.

رحت أبحث عن الصحيفة وقرأت موضوع سيادة شلقم. هذا موضوع وكلام لا يمكن أن يُكتب في بلد مثل ليبيا بحسن نية ولا يجرؤ على كتابته رئيس تحرير. هذا فخ.

في الليلة التالية التقيت بسيادة الكوني فأعاد علي طلب الكتابة حول الخرافة التي أدركت فورا أنها inspered article أي كلام منزل من فوق لجس نبض من هو يفرق بين مشرق الوطن العربي ومغربه، من هو الوحدوي العربي ومن هو الصهيوني البربري، من هو يسير مع خط الثورة الناصرية، ومن هو يسير مع خط بورقيبة والاستعمار.

لأنني بربري فأنا مغربي ، هذه مسألة يعرفها الكوني، ولكن كيف عرفها شلقم الذي لا أعرفه وهما كلاهما من أهل البيت و الدار، في حين أنني مجرد موظف قانون في شركة الواحة؟ كيف تذكرت المخابرات إسمي ؟ ولماذا؟

قلت للكوني سأكتب قصة في الموضوع، فكرر لي الإلحاح و كأنها مسألة تهمة. طبعا كما قلت يا سيادة العقيد، منذ الوهلة الأولى أدركت أن كلام شلقم ليس بكلامه، إذا كنت مخطئا فبالله صححوني، إنها تعليمات منكم، شخصيا لا أحتاج لمعرفتها لمن يقول لي ذلك، فهذا التطرف في الكلام مثل “إدارة ظهورنا إلى المشرق و الاتجاه إلى ثقافة المغرب…الخ” هذا جس وفخ، لكن السبب الحقيقي في إحجامي عن الكتابة لا يكمن في خوفي من الوقوع في الفخ، السبب الحقيقي و الرئيسي هو اقتناعي أن المسألة مجرد فقاعة، ذلك لأن كلمة المغرب أو المغرب العربي و الوحدة المغربية كانت على الدوام ومنذ العهد الملكي الماضي وحتى عهد الثورة المضارع مجرد أكل هواء. إن ما حفزني على الكتابة في الموضوع بمقال تحت عنوانين: “لكي لا تصبح العروبة احتكارا مشرقيا أو شعوبية جديدة”، ليس إلحاح الكوني ولكن عدداً يحتوي على عدد من الردود على “رئيس التحرير” أي على سيادتكم، وليس أيضا الرد الرئيسي لسيادة (أبو أو أبي) زيد دورده، ولكن ماكتبه شخص أعرفه جيدا لا أحب أن أسمي إسمه، تماما مثلما فعلت في مقالي الذي اقتصرت فيه على تناول مقال سيادة أبي زيد و تجاهلت الشخص المعني، بسبب أن هذا الشخص كان في أوائل الستينات ولدافع ما كان يراسلني وهو في بنغازي باللغة البربرية، وبعد أن انتهت مصلحته من بعد لم يعد يراسلني ولم تعد لي به علاقة ما، ثم قبيل 1-9-69 مباشرة كان يردد بسذاجة، حلمه في أن الملك قال له في المنام : تعالى يا ……. تعالى” ..! ثم اكتشفت أنه قد دار180 درجة، وأصبح ثوريا عربيا قوميا…الخ.

لكن بعد ظهور مقالي المذكور:*( عن الاستلاب التاريخي – لكي لا تصبح العروبة إحتكاراً مشرقياً أو شعوبية جديدة ) فوجئت بأن أحدا لم يرد علي في العدد التالي، بل ظهر عنوان في الصفحة الأولى: “الآن فهمنا ما تريد” وهذا يعني أن الموضوع لم يعد مطروحا للنقاش. و كما قلت سابقا فمنذ حملة النقاط الخمس على حرق المكتبات و سجن حزبيين وهميين، لم تعد لي أية علاقة بأي صحيفة و اعتبرت أن الأدب والثقافة يسيران في اتجاه ليس مني ولست منه، خصوصا وأنني في عام *1972كنت موظفا في *شركة الواحة النفطية، وكنت أكتب في نفس الوقت في صحيفة اسمها “اليوم”، وفي أحد أيام ذلك العام الذي كان سابقا لحملة التطهير لم تعجب مقالتي أحد موظفي تلك الإدارة. لا أحب أن أذكر إسمه- فعرضها على سيادة: بشير هوادي و استدعيا أحد مسؤولي الجريدة ليلفتا انتباهه بأن مقالاتي “تنظير للشيوعية”، وأنني لا يحق لي أن أشتغل في الإدارة المذكورة وأن أكتب في صحف أخرى في نفس الوقت.

كانت العقوبة في ذلك الوقت أن أحلت على التقاعد، وأنا لم أتجاوز الرابعة والعشرين عاما من عمري بدعوى أنني شيوعي، وفي نفس الوقت لأنه لا يجوز لي ممارسة عملين، رغم أن عملي ككاتب لم أكن أتقاضى عنه درهما واحدا.

لكن علاقتي الجديدة بمؤسسة الصحافة وبصحيفتي “الأسبوع الثقافي” و “الأسبوع السياسي” التي يرأس تحريرها سيادة عبد الرحمن شلقم، أوهمتني بأن الطقس قد تغير، وفي إحدى الأمسيات كنت في مبنى الصحافة فأخبرني أحد الموظفين بأن القيادة اتصلت بالمؤسسة سائلة عمن يوجد من الكتاب؟ وأن الإجابة كانت بأن سيادتكم على وشك المجئ للمؤسسة وأنه علي الانتظار وعدم مغادرة المؤسسة.

آمل أن تتذكروا ذلك اللقاء، لقد كان يضم سيادتكم وسيادة مجموعة من الأشخاص ذكورا وإناث : سيادة محمد بلقاسم الزوي وسيادة إبراهيم بجاد وسيادة فوزية شلابي وبنتا أخرى لا أدري إن كانت ما زالت تتمتع بالسيادة أم لا : سعاد الوحيدي. ولقد سألتني سيادتكم إن كنت من “محاريق جادو” فأجبت نعم، وأنني أول من استخدم هذا اللقب، كما أنه لا علاقة لي بجادو ولا بمحاريقها، ثم سألتموني السؤال الذي لم يكن مفاجئا : “هل أنت ممن يقولون بأن البربر عرب أم أنني أتبع نظريات الاستعمار الذي يقول أن البربر أوروبيين؟” وحيث أنني قصير العمر ولم أشاهد البربر وهم يعبرون أوروبا أو البحر الأحمر، وحيث أن اهتمامي الأساسي منذ 1962 باللغة والثقافة البربرية فأجبتكم بجواب لم أكذب فيه على نفسي ولا عليكم، قلت لكم : “إن نسبة كبيرة جدا من القاموس العربي دخل جميع اللهجات البربرية” ولم أفاجأ أيضا بمعرفتكم ببعض معارفي من الكتاب مثل سؤالكم عن مسكين يدعى الجيلاني طريبشان، و”أنه لا يكتب إلا وهو مخمور” .. قلت هذه بسيطة ليس فيها سياسة، لكن حين سألتم عن سيادة إبراهيم الكوني إن كان لا يزال شيوعيا وأنه يكتب عن “المجتمع التارقي”، لم يغب عني كون أن هذا تحقيق معي أيضا فتبرعت بالإجابة بأنه “يكتب عن الطوارق لأنه عاش في الصحراء ولم يعش في مدينة طرابلس” وأعترف الآن أنني كنت مغفلا، إذ لم أكن أدري أن سيادة الكوني من أهل الدار، لأن معرفتي بسيادته كانت في عام 70 و 71 قبل أن يدخل الدار من أبوابها…لقد كنت مغفلا بالفعل في سيادة الكوني ولا أزال أذكر آخر كلماتكم التي وجهتموها لي حين قلتم لي : “على كل حال كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته” !.

يا أرباب السماوات ! أنا الموظف الصغير في إحدى الشركات أقف في نفس القامة معكم، وسيادتكم تملكون الأرض والسماء، هناك إذن مصالح متعارضة، هناك تصفية حسابات !

لقد حسمتم الأمر مسبقا بعد ذلك اللقاء بأسابيع حدث لي لأول مرة في حياتي ما يأتي :

بعد أن انتهى الحوار المفتعل حول ليبيا كجزء من المغرب فوجئت بالشخص إياه الذي كان يكاتبني بالبربرية، والذي أصبح سنوسيا يحلم بالملك ثم لف فجأة بعد 1-9-1969، فوجئت بهذا الشخص يكتب ضدي مقالة (قوادة). لكنني أدركت أيضا أنه تولى كتابة هذه المقالة نيابة وليس أصالة، فقط عملا بالقول المأثور: “اضربه بيده”، حيث أن هذا الشخص محسوب على: “جبالى باهي”، خير مني أنا: “الجبالي اللي مشى باهي”. فكتبت ردا بعنوان “هل يصبح العقيد مواطنا مضطهدا؟” لإيماني بأن من يضطهد شخصا لابد أن يعاني الاضطهاد، فهل صدقت أم كذبت؟.
بعدئذ بوقت وجيز وأظنه في شتاء 1978 خرجت من منزلي ليلا في سيارة يقودها شخص آخر- وهذا هو الخطأ- متجها إلى قرية السراج حيث يسكن زميل لي في كلية الحقوق، ثم أصبح شرطي. وأمام منزل هذا الشرطي بقيت في السيارة في حين ذهب صاحب السيارة لينادي الشخص المقصود، لكنني –وكنت ملتحفا ببرنس- لمحت من طرف عيني سيارة “بيجو”، تتقدم ثم تأخرت مختفية عن نظري، هذه إذن ملاحقة، أسرعت أنادي السائق ليرجع للسيارة لأن هناك مطاردة، أشرت عليه أن يبحث عن البيجو في الأزقة لكن الأرض كانت قد ابتلعت السيارة، فاشرت على صاحب السيارة أن نعود من نفس الطريق التي أتينا منها لأن الملاحقة مستمرة، في خلال الطريق نظرت خلفي فلم أشاهد ضوء السيارة، لكنني كنت متأكدا من المتابعة أدرت في اتجاهي المرآة العاكسة Screen، هنا لمحت القمر يسطع من زجاج سيارة تسير بدون ضوء خلفنا، لكن السائق الأحمق بدل أن يقف أو يناور للقبض على السيارة المجهولة الملاحقة تصرف بحماقة وداس على البنزين مما أعطى لا شك انطباعا بالهروب من المطاردة، كان الخطأ في أنني لم أخرج بسيارتي، لأنني لو فعلت ذلك، فأنا متأكد أن الأمر سيكون محسوما خاصة إذا لم يخرج لي أحد في البيجو بطاقة هوية مباحثية أو مخابرتية.
لقد أصبحت أكثر يقينا أنه لا مغرب ولا مشرق ولا بطيخ إنها مناورة مفخخة، الشيطان وحده أعلم بعواقبها.

هذه المطاردات المخابرتية لم أكن عرضة لها في حياتي قط، رغم أنني بدأت الكتابة وبدأ تكوين وعيي الثقافي والسياسي منذ 1962، كنت أدرك منذ العهد الملكي السابق أن أفضل السبل لتفادي أفخاخ الوقوع في قبضة التهم الملفقة هو البقاء في دائرة الضوء أمام سمع وبصر السلطات الحاكمة الحقيقية : المباحث، لهذا السبب فإن أوقات فراغي كنت أقضيها طوال السبعينات في فندق الشاطئ، هذه حقيقة تعرفها جميع الأجهزة الأمنية التي ازدهرت بعد ثورتكم المجيدة، وهكذا ففي ربيع 1978، أي بعد فترة من المطاردة السابقة في قرية السراج، كنت ساهرا في إحدى الليالي في فندق الشاطئ مع جماعة من الكتاب أو ممن كنت أظن أنهم فعلا كتابا، وكان بينهم سيادة إبراهيم الكوني إياه، وفي الثانية والنصف ليلا انفض السهر، وكان علي كما هي عادتي أن أوصل سيادة الكوني إلى منزله الكائن أمام السجن المركزي بالضبط، ولم أكن أرى في ذلك بأسا. حين وصلت إلى باب عمارة سيادة الكوني ودعته وشرعت في إشغال الإشارة الضوئية يمينا للاتجاه غربا إلى منزلي في غوط الشمال حيث لا أزال أقيم.
ما أن اختفى سيادة الكوني في عمارته حتى قابلتني في قبالة الزقاق سيارة فولكس فاجن بيضاء حاولت أن أشق طريقي ، لكن السيارة الفولكس وقفت لي بالمرصاد وترجل منها شخص أخذ يكيل لي الشتائم ويلوح بمسدس في يده، لم يخطر لي هذه المرة أن السيارة تابعة للمخابرات لأن عهدي بالمخابرات يراقبون بشكل سري ولا يشهرون السلاح علنا في وجه الشعب، كنت أظن أن المسألة مجرد مخمورين وقفوا في طريقي، وهكذا حاولت أن أشق طريقي متفاديا إصابة الشخص الذي ترجل على قدميه ممسكا بالسلاح، وبالفعل تمكنت من المرور بالكاد متجها إلى الانضباط العسكري أمام سجن الحصان الأسود حيث قلت لهم أن مخمورين وقفوا لي بالمرصاد، وأنا في طريقي إلى منزلي. لكن السيارة الفولكس فوجئت بها لا تلوذ بالفرار بل تتجه صوبي أمام رجال الانضباط حيث ترجل منها الشخص الذي لا يزال ممسكا بمسدسه أمام مسمع ومرآى من حراس السجن، وقال لي ببساطة أنه رآني ألف حول السجن مرتين.. المخابرات لا زالت ورائي إذن منذ حادثة السراج. قلت له أنني قادم من فندق الشاطئ، لكن هذا كان خطأ لأنه كان يجب علي أن أستعمل سكيني وأن أذبح ربه قبل أن يذبحني، فتشت عن سكيني الذي اعتدت أن أحمله منذ طفولتي فلم أجده، وهذا هو ما أدى بهذه الحشرة لأن يجعلني أقسم بالطلاق فأقسمت ما دام في ذلك حل، فكيف رد علي هذا الوغد العنصري؟ قال : أنت جبالي والجبالية لا يقسمون بالطلاق… هذه هي كارثة ذلك اليوم الأسود الذي نكبت فيه بلاد المغرب بالاستعمار الإسلامي، إن أربعة عشر قرنا من الذل والإبادة الجسدية واللغوية والدينية لم تنته بعد. فقلت لهذا الوغد ما دمت لم أستطع أن أرد عليه ردا بربريا حقيقيا بأنني أوصلت شخصا إلى منزله وأنا في طريقي إلى شقتي. فقال لي إذهب وأحضره معك، قلت له خذ إذن مفتاح السيارة، قال لا دعه معك، أسرعت إلى سيادة الكوني الذي لم يخرج معي لإخوانه من المخابرات إلا بالكاد وقال لهم أنه سيكلم سيد قذاف الدم – لم أكن أعلم أن الكوني على علاقة بأمثال هؤلاء الآلهة – هنا أدخلوني إلى السجن بعد أن أخذوا أوراق السيارة والبطاقة الشخصية وقالوا لسيادة الكوني إذهب ونم في منزلك.

في الصباح- حوالي العاشرة- نودي علي بعد أن قضيت الليل في زنزانة مع حشاش مصري، وأقتدوني إلى مكان لم أعرفه من قبل، بصحبة أحد رجال الأمن وأدخلوني إلى شخص لم أكن أعرف أو أسمع باسمه : سيادة عبد الله السنوسي الذي قال لي : خذ أوراقك، وقل ثورة والا مش ثورة، لكن إياك أن تقترب من منشآتنا العسكرية.

المسألة إذن هي جبالي ومش جبالي، رغم أنني مش جبالي لكن بربري فقط، أنا لست حتى مسلما بربريا، أنا بربري فقط ، البربرية هي ديانتي .. أما الثوري .. فالبربري لا يمكنه أن يكون إلا ثوريا.

أنا أول من كتب عن ثورتكم بعد انقضاء فترة الطوارئ أي في نفس شهر سبتمبر 1969 مقالة بعنوان “ثورة وليس انقلابا” في جريدة الميدان، وفي جريدة الميدان نفسها – وأنا أعرف أنها جريدة كانت في طريقها للاختفاء أو التدمير- في نفس الجريدة كتبت في الأيام الأولى لثورتكم المجيدة مقالة بعنوان “انتهت مرحلة التأييد وجاءت مرحلة التقييم” وأشرت فيها صراحة متسائلا : “إذا كان أساس القومية العربية الجنس فماذا نفعل بالبربر في ليبيا؟”.

هل هناك شخص أوضح مني في مسألة البربرية في هذه الجماهيرية العظمى؟

لكن يبدو أن الاستخبارات والمخابرات والمباحث والمباحثات… الخ، مثل الله … تماما مثل الله تمهل لكن لا تهمل، القضية برمتها ليست حوارا، من يملك السجن وسيارات المداهمة والقوة والافتراء لا يضيع وقته في الحوار، إنه عصر التصفية جسديا ومعنويا.

بقية البربرية التي سلمت من نيران الإسلام القديم لا بد من إحراقها في جحيم الإسلام العربي الجديد، إذ أنني في اليوم التالي عدت إلى فندق الشاطئ حيث وجدت جليساً قديما وضابطا معروفا في المخابرات ورويت له قصتي فإذا به يعطيني سببا آخر: وهو انني جبالي وسبق أن هرب من السجن جبالي آخر وهو إبن الشيخ علي معمر. هذا الضابط هو المعروف باسم: محمد الرحيبي، ولقد تساءلت : وما علاقتي بالشيخ علي معمر وأولاده، هؤلاء مسلمون أو إسلاميون أباضية، أما أنا فما علاقتي بالإسلام بالمرة؟ والإخوان المسلمون هم أول دعاة القومية العربية، وليس صحيحا أنهم أمميون وهذا هو سبب حساسيتي البالغة من الإسلام منذ عام 1965 حين اعتنقت الداروينية، فما علاقتي بالأساطير الإسلامية العربية التي تقول أن الله خلق آدم كاملا ثم خلق من ضلعه زوجته حواء وأن كائنا خرافيا إسمه الشيطان غرر بهما فأكلا تفاحة محرمة حيث غضب الله وأخرجهما من الجنة…هذه الأساطير وأمثالها المأخوذة من سفرالتكوين أو المتوارثة في الميثولوجيا السامية الأقدم عهدا من التوراة أجد استحالة مطلقة في الإيمان بها، قد تفيد للتسلية، أما أن تكون علما فلا.

إن ما كتبته جهارا نهارا في إحدى صحف الدولة بعد طلب الجهات المعنية هو السبب في كل ما حصل من ملاحقات، ثم أن هناك المئات من هو الجبالية يمرون يوميا وفي مختلف الأوقات أمام السجن ولم يعاملوا هذه المعاملة وأنا شخصيا مررت من قبل مئات المرات من هناك، ولم يحدث لي ما حدث هذه المرة، إن السبب الحقيقي يا سيادة القائد هو “كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته” في لقائي بكم الوحيد بعد استدراجي للكتابة في الموضوع إياه.

بعد إنذار سيادة ضابط المخابرات: عبد الله السنوسي لي بأن ” قل ثورة والا مش ثورة، لكن إياك أن تقترب من منشآتنا العسكرية” أصبحت أخشى من تلفيق أي شيء ضدي في أي مكان فطرابلس كلها منشآت عسكرية، فندق الشاطئ نفسه منشأة للاستخبارات والمباحث وغيرها من الأسماء التي لا أعرفها، والأدهى من كل ذلك أن “اللجان الثورية ” التي بدأت بمقالة من سيادة: شلقم في شكل تنادِ عفوي، مثل ” تنادت جهة كذا وشكلت لجنة” .. ليست تناديا ولا عفويا ولا بريئا ولا ثوريا، مجموعة من الأفاقيين والغلمان والطلاب الفاشلين والقوادين، ثم تحولوا إلى لجان للتصفية (الآن أصبحوا ثرويين وأصحاب ملايين، حان الأوان أن يعودوا إلى رياض الأطفال وإلا فإن الكارثة آتية ولو بعد عشرات السنين).
إن المباحث والاستخبارات أجهزة موجودة حتى في الدول الديمقراطية، وهذه لم أكن أخشاها إطلاقا لأنني لم أمارس عملا سريا بالإضافة إلى أن تقاريرها في الستينات وأوائل السبعينات جزء من واجبها، ورجل المباحث قد يطمح إلى رتبة من شاويش إلى بكباشي كما كانوا يسمون بالتركية التي لا أعرف معناها، ومن رائد إلى مقدم بالعربية الأشد غموضا، كيف يكون المقدم أعلى من الرائد مثلا؟ وما معنى أن يكون العقيد أعلى من الجميع وهي كلمة لا تقل غموضا، هذه مسألة لغوية لا تهمني هنا، ما يهمني هو أن الأجهزة الرسمية المنظمة يمكن تحملها على مضض لأن طموحها ضئيل، لكن الكارثة أن يتحول الشعب بأكمله إلى مخبرين في شكل ثوريين، (رابطة الكتاب والأدباء هل هي فعلا كذلك، هذه جهاز من القوادين أكثر بشاعة منه في معاملته لي وأنا ربع آدمي من كلمات العميل الذي أوقفني أمام منزل سيادة الكوني وأنا آدمي كامل لم أصفى جسديا بعد، وهل هناك أكثر بشاعة من جهاز القضاء في التستر على محاولتين لقتلي نهائيا في عام 1983 وعام 1986؟ لقد كتبت مذكرة بذلك واتصلت في مارس 1988 بسيادة: إبراهيم بجاد، لتسليمها لكم لكنه أشار علي بالذهاب إلى سيادة أخرى تدعى: عزالدين الهنشيري، هذه المذكرة تربو على مائة صفحة ومستندات لأخذ حقوقي من الفاعلين فإذا بي أكتشف أن القاضي هو الخصم، لكنني لم أكن أتصور أن تصل إلى الحد الذي لم يصل إليه أي نظام فاشي في العالم.

وهكذا وفي خريف 1978 أصبحت أفكر في الهجرة نهائيا لكن إلى أين؟ وفي نهاية السنة فوجئت بأنني مطلوب للتجنيد الإجباري أو ما يقال عنه بالتدريب العسكري الإلزامي وهذا يعني أنني سأكون في قلب المنشآت العسكرية، وتفاديا للاقتراب من المنشآت العسكرية، عملا بتهديد هذا السنوسي، (( بالمناسبة : حين كنت أمارس الثورة علنا في القاهرة لم يكن هذا السنوسي يجرؤ على نطق هذه الكلمة، في أعقاب 1967، اجتمعنا نحن الطلبة الليبيين في نادي وكنت أخطب في الجمع منددا بذلك العهد في مناسبة أصبحت منسية الآن، وفي اليوم التالي كان إسمي في قائمة من الطلبة الذين أوقفت عنهم المنحة الدراسية، وقال لي المستشار السياسي للسفارة سيادة: خليفة المنتصر، أنه ستقطع عني المنحة الدراسية إذا لم أوقع على نموذج جاهز بالولاء للملك لأنه كما أدعى كان مختفيا في زي بواب العمارة، ثم لوح لي بمسدس موضوع في مكتبه، لكنني فضلت قطع المنحة عن التوقيع وعدت إلى ليبيا والتحقت بكلية الحقوق وتركت دراسة الطب في القاهرة، في ذلك الحين أين كان السنوسي أو غيره بل إنني أتحدى أي ضابط أو جندي قام بمثل ما قمت به، راجعوا ملفات المباحث)).إزاء ذلك الوضع فضلت الابتعاد عن المعسكرات بانتدابي لمؤسسة الصحافة.

وفي يوم من أيام بداية عام 1979 قيل لي أنني في غيبوبة لمدة شهرين تقريبا. وحين تساءلت أين أنا؟ قيل لي أنني في مستشفى: “ريتسولي”، في بولونيا بايطاليا، وأنني ربع حي مشلول لأن سيارة دهستني أثناء عودتي من عملي ليلا أمام صيدلية النجمة في طريقي إلى شقتي التي لا زلت أقطنها حتى الآن. لم أعلم بمكان الحادث وسببه إلا عن طريق شخص يقال له: أحمد إبراهيم الفقيه، بعد عدة شهور حين كلمني هاتفيا حيث قال إننا كنا معا عائدين من مؤسسة الصحافة وتذكرت دواء لابني لكن سيارة داهمتني بعد أن اجتازت الرصيف الفاصل في الطريق المزدوج.

أما بقية الزوار فقالوا إنه من عمل المخابرات، وسواء كان من عمل المخابرات أو غيرها فلقد تم اللعب، كسر في العمود الفقري وكسر في الرأس وكسر في ذراع اليد اليسرى بل هو تهشيم لم يتم تجبيره إلا بمعدن يصل بين الذراع والكتف وتهشيم آخر في الفخذ اليسري ولقد تم معالجة بعض الأضرار الجسدية، أما العمود الفقري فلم تجرى عليه عملية وإنما أحلت إلى مركز تأهيل بأمر المكتب الصحي في حين أن إصابة العمود الفقري لا تحتمل الانتظار أكثر من شهر، وقد حاولت المستحيل من أجل الاتصال بهذا المكتب ولم تجر لي العملية في: بيزا، إلا بعد قرابة عام وكانت النتيجة أن ليس هناك قطع عضوي في النخاع الشوكي، لكن بفوات الوقت، أصبح هناك قطع وظيفي علاوة على المضاعفات والآلام المبرحة التي لا زلت أعاني منها حتى هذه اللحظة، وحيث أن العلاج لم يفدني في إيطاليا وقد بقيت طريح الفراش منذ مداهمتي في 21-02-1979 ، حاولت تجريب حظي في يوغسلافيا، لكنني منذ اليوم الأول قررت العودة إلى طرابلس حيث لم أبق في إحدى مستشفيات بلغراد إلا بعض الأيام وعدت إلى طرابلس في أبريل 1980 * كما تفيد شهادة مستشفى 11 يوليوز لقطاع النفط الذي أقمت فيه بفضل جهود الدكتور: أحمد البشتى، رئيس قسم الطب في شركة الواحة حيث كان مقررا أن أبقى هناك لمدة أسبوع فقط لكنني بقيت فيه حتى بداية 1981* وهنا يجب أن أعترف بجميل الأخ: محمد بلقاسم الزوي، الذي سهل لي الإقامة.

وبسبب غياب والدتي عن الحياة منذ 1960 ، وبسبب أن زوجتي منعوها من نقلي إلى بيتي بحجة أو بأخرى، هنا أحسست أن عدوا أشنع أصبح لي بالمرصاد : شماتة أقرب الأقارب خاصة وأنني لا أخ ولا أخت ولا شقيقا أو شقيقة، هذه الشماتة سببت لي من الكوارث ما تمنيت لو أن المداهمة كانت تامة : الموت.

في المستشفى المذكور سمعت أن شيئا إسمه” حزب البربر قد قبض عليه، قلت أن هذا شئ طبيعي في بلد تعد فيه الحزبية جريمة، ولم يخطر في بالي إطلاقا أن يكون إسمي مدرجا في هذا الحزب، كما استغربت أن يكون هناك حزب بهذه الصفة، أنا لم أولد في السويد أو سويسرا والذي أعرفه منذ نمو هويتي البربرية عام 1962 أن الجبالية والزوارية أو غيرهم من الليبيين موزعين بين ميول بعثية أو قومية أو ناصرية، لكن لم يوجد إطلاقا حتى ساعة مداهمتي في 21-2-79 فئة أو طبقة ذات منزع بربري، أما أنا فكما سبق القول فقد كان موقفي مدونا بخط يدي في جريدة الميدان، كنت قلقا على انقراض اللغة البربرية ولا أزال، ولقد كتبت عشرات المقالات في هذا الإتجاه، وإذا لم أكن أنا البربري فمن هو البربري إذن؟

سيادة العقيد

في المستشفى المذكور فوجئت أنكم زرتم جادو وألقيتم فيه خطابا عن البربر وقد هتفت لكم جماهير جادو طويلا بأنها عربية تعيش وعربية تموت وأنها عربية بأعلى صوت، هنيئا لها، لكن ما أذهلني هو حديثكم عن واحد شاعر إسمه سعيد عقل يقول أنه فينيقي وأنه يكتب بالحروف اللاتينية، لكن ما دخل شعبان في رمضان، الفينيقية لغة انقرضت من بلادها فينيقيا منذ أن احتل الآشوريين لبنان حيث لجأ الفينيقيون إلينا في شمال إفريقيا وحين هزم الرومان الفينيقيين انقرضت اللغة الفينيقية في بلاد تامازغا أو المغرب، هذا يعني أن الفينيقية انقرضت منذ 2000 عام في حين أن لغة تامازيغت أو البربرية بقيت حية إلى يومنا هذا وناطقوها يعدون بالملايين ثم أصبح لها كتابها وهم يعدون في هذه الساعة بالمئات وأنا أحد هؤلاء، فشخصي الضعيف المسمى سعيد المحروق لست سعيد عقل، أنا لم أدع إلى كتابة اللهجة الليبية رغم علمي أنها تحتوي على الآلاف من التعابير والمفردات وحتى قواعد اللغة البربرية، وما يقال عند مقارنة الفينيقية بالبربرية يقال عند المقارنة بين الفرعونية والبربرية، في كلتا الحالتين مقارنة لا معقولة إنها كالمقارنة بين الموت والحياة، اللغة الفرعونية أو المصرية القديمة لغة انقرضت قبل دخول العرب المسلمين إلى مصر، لقد وجد العرب أمامهم اللغة البونية أما الفرعونية فهذه انقرضت قبل ذلك بزمن طوال ولم يبق من الفرعونية سوى الحجارة الهامدة التي قد تمثل عظمة الحضارة المصرية في العصور المنسية. أما الآن فلم نسمع بحجر يتكلم، وحتى جهود علماء المصريات في قراءة وفك شفرة اللغة الهيروغليفية لم تسفر سوى عن قراءة كتابة غير منطوقة إذ أنه لو وجدت في مصر قرية واحدة تتكلم المصرية القديمة كما قلت مرة للكاتب: مولود معمري، لحلت هذه اللغة المصرية محل العربية في طرفة عين.

ثم من قال أن البربرية حكرا على جبل نفوسة أو هذه الجزر الناطقة بالبربرية هنا وهناك؟ أن ليبيا، وليبيا ليست هذه المحصورة بين الحدود التي أقامها الايطاليون والانجليز شرقا أو التي أقامها الترك والفرنسيون غربا وجنوبا، ليبيا التاريخية الممتدة من غرب وادي النيل في واحة الفرافرة ومستواها شرقا حتى أقصى جزيرة من جزر الكناري في تين آريف غربا، ومن الضفة الجنوبية للبحر المتوسط شمالا حتى زناكة أو IZNAGEN شمال السينغال وشمال بوكينا فاسو ، وجنوب مالي والنيجر وقسم من السودان جنوبا…هذه الأرض التي هي ثلاثة أرباع القارة الإفريقية هي موطن اللغة البربرية وثقافتها، وهي أرض واسعة الأفق مساحة ورحابة صدر وتسامحا مع جميع الثقافات الإنسانية. فما هي مسألة حزب البربر هذا وما سره؟

لم تشغلني الضجة هذه لإن جسدي نفسه ملآن ضجيجا وآلما، ثم أن مسألة كل الأحزاب بعيدة عني وإن كنت أشك أنها تقترب مني رغم أنفي، ولكن مادام الأمر لا يعنيني فلم أهتم بالضجة كثيرا خاصة وأنني نزيل مستشفى 11 يونيو لقطاع النفط وبمعرفة مسؤول مثل: محمد بالقاسم الزوي، الذي هو نفسه اتصل باللجنة الطبية للإيفاد وتقرر إيفادي عام 1981* إلى ألمانيا الغربية كما تدل على ذلك الأوراق المرفقة الرسمية.

بعد وصولي إلى ألمانيا جاءتني مكالمة تفيد أنني متهم في قضية البربر هذه، وأن إسمي في قائمة المتهمين المسجونين منذ حوالي سنة، ولقد قررت أن أعود فورا إلى طرابلس فاتصلت بموظف في المكتب الشعبي في بون إسمه: عبد الباسط البركي، وهو من رجال الأمن وأعرفه جيدا فقال إنه يعلم بذلك منذ وجودي في طرابلس، واستغربت كيف أن أحدا من رجال الأمن أثناء إقامتي في المستشفى المذكور لم يأتيني حتى يتسنى لي مواجهة التهمة التي لا أعرفها لكن الرجل المذكور قال لا داعي للرجوع، ثم ألححت مرة أخرى فقال أن العناية الطبية التي أتلقاها في ألمانيا لن أجد نصفها في طرابلس، لكن بعد أن وجدت العلاج عبارة عن تأهيل اتصلت ببعض الأصدقاء على أن أعالج في لينينغراد وفعلا أخبرني السيد: عبد الباسط البركي، أن برقية وصلت من طرابلس ليتم نقلي إلى “لينينغراد” وأخرى إلى “موسكو”، وقال لي إنه على اتصال مستمر بالمكتب الشعبي بموسكو وأن الرد سيأتي قريبا، لكن الرد لم يأت إلا في أواخر عام 1981 في برقية حددت موعدا هو خلال شهر فبراير 1983 وقد كان هذا شيئا غامضا بالنسبة لي إذ علي الانتظار في ألمانيا لمدة عام وشهرين آخرين دون علاج وطلبت شخصيا من المكتب الشعبي في ألمانيا لإرجاعي إلى طرابلس والانتظار بدلا من البقاء بعيدا عن أطفالي وزوجتي وهكذا رجعت إلى طرابلس في أواخر 1981 *حيث بقيت طريح الفراش منتظرا شيئين، أولا أن أقدم للمحاكمة حتى أعرف التهم الموجهة لي وثانيا انتظار موعد الإيفاد إلى موسكو.
ما أثار سخطي هو أنني أصبحت بعيدا عن كل حياة منذ مداهمتي في 21-02-1979 فكيف يزج باسمي في قضية كل ما أعرف عنها أن المتهمين فيها أدعوا الاعتقال عام 1980؟ ومادام إسمي مدرجا منذ ذلك التاريخ فلماذا لم يأتيني أحد ما لاستدعائي وإيداعي في السجن خاصة وأن الأمر بالنسبة لي لا يختلف سواء كنت في المستشفى أو في إحدى السجون المزدهرة بالنزلاء أو في إحدى المقابر العامرة.

هل الزج باسمي في حزب البربر هو تبرير لمداهمتي في 21-02-1979؟.

في أوان الموعد المقرر لي للحضور إلى موسكو أرسلت أحد الأصدقاء إلى مكتب اللجان الطبية في فبراير 1983 فوجد برقية جاءت من المكتب الشعبي في موسكو تفيد بأنه علي الحضور في يونيو من نفس العام لكن حين علم المكتب الصحي بوجودي في ليبيا- كانوا يظنون أنني لازلت في ألمانيا- فتطلب الأمر تفويضا ماليا جديدا عملا بقاعدة غريبة وهي أن المريض العائد لا بد له من تفويض جديد وهكذا فإن أمين الصحة يبدو أنه حفظ الملف، فتولى أمر إيفادي رئيس جمعية الصداقة الليبية المسؤول السيد: عمر الحامدي، لكن أثناء مدة الانتظار وبالذات في إحدى أيام عام 1983طلبت بالهاتف محاميا كنت قد وكلته في الدعوى المدنية ضد شركة ليبيا للتأمين عام 1980 أثناء إقامتي بمستشفى 11 يونيو للنفط، هذا المحامي هو: عبدالرحمن الجنزوري، الذي بادرت بسؤاله عن حكاية البربرية وقضيتها فقال لي أنني متهم غيابيا مع شخص آخر هو: يحيى عمرو، أما بالنسبة لي فقال، والعهدة عليه هي : أنني في حزب حسين آيت أحمد، أنني عضو في الأكاديمية البربرية في فرنسا، أنني عنصري، أنني أنظر للبربرية، أنني تناولت طعام الغذاء في زوارة عام 1979، أني ألفت قاموسا في اللغة البربرية، أنني سميت إبني وإبنتي أسماء بربرية….وهناك تهم أخرى لا أتذكرها لأنها لم توجه لي رغم حضوري في قلب طرابلس.

أليست هذه تهم تبريرية لعملية المداهمة التي أعقبت الملاحقة إثر كتابتي ذلك المقال الذي طـُلب مني كتابته وبعد مقابلتكم لي؟.

إنني أعرف كل شيء عن آيت أحمد رغم أنني لم أعرفه شخصيا قط، وأعرف كل شئ عن هذه “الأكاديمية البربرية” رغم أنني لست عضوا فيها، لقد فات كل شيء الأن، لكن هذا ليس نفيا لحماية المتهمين، ربما يعرف آيت أحمد وبالسعود محمد أعراب وهو المسؤول عن هذه الأكاديمية ليتبادلا الشتائم كالعادة، لماذا الأن ؟ المخابرات الليبية إن كانت هي التي وجهت لي هذه التهم فهي أغبى وأجهل مخابرات في الدنيا. لماذا؟ لن أقول لماذا، يكفي أن أقول أن آيت أحمد انتهى كبربري قبل ميلادي شخصيا هذا قبائلي فقط، ولقد أدت تهمة انتمائي لحزب آيت أحمد أن أعرف هوية هذا الشخص على التدقيق، هذا شخص معقد من حربه مع رفيقه بن بله، ولم يدرج البربرية في برنامجه وبرنامج حزبه إلا بعد مداهمتي، لقد أدرج المطالبة بالأمازيغية كلغة رسمية بعد مداهمتي، التهمة ربما توجه إلى آيت أحمد متأثرا بما أكتب علنا في صحفكم وليس لي، لقد سمعت أنه زاركم في السنة الماضية فلماذا لم تسألوه؟

أما “الأكاديمية البربرية” فلم تكن لي حاجة لأية أكاديمية بربرية لأنني أنا شخصيا أكاديمية بربرية، لكنكم في 18 أبريل 1985 تكلمتم عنها وقلتم أن فرنسا هي التي أقامت هذه الأكاديمية، ونيابة عن المسكين بالسعود محمد أعراب سأدافع هنا عنه وليس عني.

هذه الأكاديمية علمت عنها عن طريق مقالة لأحد رفاق بن بله هو: محمد حربي، صديق بن بله الذي أودع السجن بعد انقلاب بومدين وهذه المقالة قرأتها هنا في مجلة “جون إفريك” في 1978، لأن محمد آعراب أراد أن يحصل على دعم مادي من أحد أغنياء القبائل وكان هذا القبائلي عميل المخابرات الجزائرية والفرنسية في آن واحد وحينما هدده آعراب بالسعود بمسدس، كان أحد عملاء المخابرات الفرنسية بالمرصاد وتم القبض على محمد أعراب بالسعود وانتهى كل شيء، ولقد كان شيئا مدهشا من سيادتكم أن تذهبوا إلى جادو لتحاضروا على عمالة البربر لفرنسا في حين أن المخابرات الفرنسية هي التي دمرت صاحب الأكاديمية البربرية المزعومة التي كانت تعيش على التسول والمتبرعين من العمال الجزائريين.

فيما يخص العنصرية : من هو العنصري؟ بربري كتب ما يعتقد وتختمون حديثكم معه بالوعيد والتهديد : “كل واحد يدافع عن مصلحته”، وأنتم تملكون ليبيا وما فيها ثم تزيدون الخير خيرين : ملاحقة، مداهمة ، تصفية، ثم آيت أحمد والأكاديمية البربرية ثم ماذا؟ الطريق ملآى.

فيما يخص التنظير للبربرية: ليتني كنت منظرا للبربرية، هذا شرف لا أستحقه.

فيما يخص تسمية أبنائي..؟ ! لم يبق سوى إتهامي بالبربرية في ممارسة الجنس مع زوجتي !

هذه الاتهامات إن كانت صحيحة فهي قبيحة.

هذه التهم أليست هي السخف بعينه؟ ليتني كنت حاضراً للمحاكمة، هناك الكثير مما لا يحتمله الحبر ولا الأوراق ولا الأعصاب.

أما عن غذاء زواره فما هو بازين أم كسكس؟

لكن المهم ماذا قلت في ذلك الغداء؟ البربرية؟ هذا لا شك فيه ولكن اية بربرية؟ إن ما يهمني هو اللغة البربرية وخوفي عليها من الموت، فليمت الآلاف من الجبالية و الزوارية، إلا البربرية هذه دونها حبل الوريد وأكثر. وأنا الآن ربع آدمي أيها الذين تهموني بالعنصرية ومع ذلك لم ترحموني حيا ولا ميتا فلماذا لم تجهزوا على الربع الباقي؟ ماذا تنتظرون؟؟

هذه التهم نقلها لي المحامي عبد الرحمن الجنزوري والعهدة عليه لأنني لم أستلم شيئا مكتوبا، لكن هذا المحامي الذي وكلته عام 1980 في مستشفى 11 يونيو لقطاع النفط في قضية التعويض لم يعلمني أن المحاماة الخاصة قد ألغيت وقامت المحاماة الشعبية وهذا يعني أن وكالته أصبحت لا غية ولم أعلم بذلك، وبعد صدور الحكم استلم مني مبلغ 5000 دينار ولقد استلم مني صكا بذلك المبلغ خلال شهر أبريل، ولم يرني الحكم حيث أن المحاماة الشعبية هي التي تولت قضيتي ولا أعلم من أين أستلم التقارير الطبية التي لم يسلم أحدها من التزوير، لأن الضمان الاجتماعي زور لي التقرير الطبي الذي اعتـُمد عليه في الحكم، وهكذا فإن المحامي استلم مني ربع التعويض رغم محاولاتي الودية ولقد علمت أنه أودع السجن بعد استلام المبلغ ولم تكن لي وسيلة لاستئناف الحكم ضد ليبيا للتأمين (مرفق طيه الحكم وصورة من مبلغ التعويض بخط المحامي المذكور والتقرير الطبي الصادر من الضمان الاجتماعي الذي صدر في غيابي).

في 17-11-1986 سافرت بعد انتظار خمس سنوات إلى موسكو وكنت أنتظر أن أنقل إلى لينينغراد لكن أسكنوني وزوجتي في مستشفى، وكان ذلك بمعرفة السيد: عمر الحامدي، كما قلت باعتباره رئيسا لجمعية الصداقة، بقيت أنتظر في المستشفى قرابة 21 يوما لتجري عملية بسبب غياب الدكتور المختص (إسمه يوماشف)، وما أن عاد حتى أمر بإخراج كافة المرضى من المستشفى بما فيهم أنا وقد اتصلت بالمكتب الشعبي، لكن المرضى أقنعوني بالبقاء لأن الأفضل أن أقدم هدية للدكتور ليجري العملية قلت هذه رشوة قالوا لا يهم، وهذا النمط من السلوك السوفيتي في رأيي هو سبب زوال الدولة، ذلك لأن الأطباء كانوا قد قرروا أن تجري لي العملية (تسمى فك الضغط) وحين جاء رئيسهم قال أن سبع سنوات مرت على الحادث، إذن لماذا استدعيتموني؟ وحين قصصت قصتي مع أحد المرضى قال أنه هو الآخر أصيب منذ سبع سنوات لكن أجرين له العملية لأنه قدم للطبيب هدية !
لكن هذا المنطق لم يقنعني: من يأخذ رشوة في أعمال الطب لن يفعل شيئا، وفي 21-12-1986 جاءتني ممثلة جمعية الصداقة وهي روسية وقالت أن السفارة تطلب مني العودة إلى ليبيا.

فعدت في 23-12-1986 أي أنني لم أبق في الاتحاد السوفيتي سوى شهر ويومين أو ثلاثة وهنا يبدأ فصل آخر من فصول المسلسل الذي لن ينتهي، ففي يوم الأربعاء 28/01/1987 حوالي التاسعة ليلا طرق باب شقتي أحد الأشخاص، حيث فتحت زوجتي الباب ودخل حيث وجدني مسجى على بطني في السرير، كنت أظنه كاتبا جاءني من رابطة الكتاب، حيث اعتدت على استقبال الكثير منهم، قلت له من الأستاذ؟ قال لا أنا في ما كان يسمى المباحث والآن اللجان الثورية قلت : خير؟ ما الأمر؟ قال ظنناك هربت ! قلت ولكن أنا موفد من طرف جهة رسمية خرجت يوم كذا ودخلت يوم كذا وهذا بعلم الجهات الأمنية لأن: عمر الحامدي، قبل ذلك أخبر المباحث وأخذ موافقتها.

بعد أن اطمأن الشخص الذي أصبحت أسميه “زائر المساء” لأنه لم يبرز لي بطاقة هويته أو تعريفه ودعني، لكن لم تمض مدة حتى إذا بزائر آخر هو زائر منتصف النهار إسمه كما هو مكتوب في بطاقة تعريفه التي طلبتها منه هذه المرة رئيس عرفاء: سالم محمد عون- المباحث العامة- قسم طرابلس، دخل على غرفتي وأنا مسجى على السرير

قلت له : خير، ما الأمر؟

سألني عن إسمي ثم قلت له هل أنتم صحيح تراقبونني خارج العمارة وأن رئيس المباحث حذر ابن أحد الأشخاص أن يقترب من بيتي لأنني ذهبت لرابطة مرتين في شهر رمضان 1985؟

قال: صحيح،

قلت إذن أنتم تعرفون كل شيء فلماذا دهستموني وماذا تريدون؟

قال: أنظر محضر التحقيقأي محضر تحقيق المداهمة (21-02-1979)، وماذا عن خطف زوجتي وأبنائي القاصرين والفرار بهما إلى الجبل في “جادو” وبمساعدة المباحث في “جادو” بالذات؟

قال : وكيف أعدت زوجتك؟

قلت من: مستشفى المجانين في “قرقارش” كما تعرفون،

فتظاهر أنه لا يعرف شيئا، بعد أن كان يقول المباحث تراقبني في قبري هذا، وقال لي أكتب للعقيد في هذا الموضوع وهو يعرف كما يقول الشاعر البربري :

Rebbi di tmurt

cek deg-genni !

أي : الله على الأرض

وأنت في السماء !

الأغرب من ذلك سألني عن الأسماء التي استعملها قلت له في السابق اسم واحد هو الذي تعرفونه أما بعد 2-11-1983 فقد غيرت اسمي الأوسط وهو لا أستعمله مطلقا، ثم طلب مني رقم هاتفي ورقم بطاقتي الشخصية.

وقال: توه نشوفوا، وذهب بعد أن أعطيته رقم القضية التي أصبح فيها المجني عليه جانيا وهي أغرب قضية يمكن أن تحدث في أي بلد مهما فسد فيها القضاء إنها القضية التي حاولت الأجهزة الأمنية والقضائية أن تمحوها لكن لن أسكت عنها بعد أن تصلكم هذه الرسالة/الكتاب…

حتى لو أدى بي الأمر إلى إيصالها إلى خارج ليبيا…إلى مكاتب حقوق الإنسان، لأن الوثيقة الكبرى لحقوق الإنسان تعنى بإنسان واحد هو سيادة القائد أما ما عداه فحشرات.

إنني مستعد على كتابة كتاب في أسبوع لكنني لا أقوى بل أكره أمثال هذه المذكرات الشاكية الباكية علاوة على أنها تتناول بالضرورة أسماء أشخاص مما يشعرني بأنني أمارس نفس أعمال القوادة التي يستعملها خصومي، لو كنت كما كنت قبل تصفيتي لكنت قد علقت هؤلاء الأوباش بنفسي من خصاهم لكن ما الحيلة الآن؟

ذلك لأن الكارثة استغلها كل من هب ودب سواء إعاقتي أو تهمة البربرية، إذ أنني منذ 1985 حيث جرى إخفاء محاضر الشرطة التي أخذتها عني الشرطة عن مركز شرطة غوط الشعال في 83، 85 ثم منذ محاولة مركز الشرطة المذكور إخفاء أو إعدام شكوى ضد شخصيين اقتحما بيتي بالقوة في فبراير 1985 وحاولت الاتصال بمركز الشرطة المجاور بالكاد، ثم جاءت الشرطة بعد معجزة وأخذت أقوالي بمعرفة النقيب: موسى أبو عائشة، منذ ذلك التاريخ وأنا أحاول كتابة مذكرة لم أكملها إلا عام 1988 ثم اتصلت هاتفيا بالسيد: إبراهيم بجاد، فقال لي إذهب إلى: عزالدين الهنشري، ولم أكن أسمع بهذا الاسم، وقد استغربت ما دخل الهندسة في الأمن والقضاء، وفي 8/2/1988 ذهبت إليه بشكوى عنوانها (إلى أجهزة الأمن) لأن قضيتي جزئت ثم أجلت، ثم حاولت جميع هذه الأجهزة التغاضي عنها بسبب أن الفاعلين أنفسهم مخبرون لكنني وجدت إلها أو ملكا أحالني على نقيب يدعى: اللافي الجربي، الذي بدل أن يستدعي المشكو ضدهم أصبح يحقق معي وحين وجد هو الآخرأن القضاء نفسه عتم على القضية، وبأن آخر موعد لوضع الحيثيات إلى أكثر من الثلاثين، أصبح يهدد أولادي القصر بأن أي شخص يقول أنه قريبي ويأخذ أولادي من الشارع لا يعتبر مدان؟

وماذا عن الشركاء المقتحمين وإعدام المحضر المكتوب بمعرفة نقيب يدعى: موسى الأشخم، في محاولة القتل؟

قال: إنه مباحث، وما الفرق بين شرطي وشرطي المهم أن المحضر هو محضر مركز غوط الشعال….

وتدور الدائرة في حلقة مفرغة، في 21-02-1979 لم أعرف كيف وجدت نفسي في ايطاليا، فأحاول أن أقول ربما كانت صدفة لأنني لا أومن بالقضاء لكن جميع الآخرين يقولون أنه شغل المخابرات، المحضر الموجود عندي فيه إسم: الكيلاني الهمامي، من مواليد تونس، لكنني لم أر هذا الشخص مطلقا حتى بعد عودتي في 1980، والى هذه الساعة لكن امتداد المداهمات إلى طفلي القاصرين، وإلى زوجتي والتستر على ذلك بمستشفى “قرقارش” للمجانين، ثم زيارات الزوار ليل نهار وإخفاء كل هذه الجرائم بأيدي المباحث وخصوصا مباحث “جادو” والمدعويين: العقيد كرموس والتواتي والجليدي، إذ أنه بعد إعدام محضر فبراير 1985 وبعد الاتصالات الهاتفية بمركز الشرطة المذكور وبعد أن يئست من متابعة الأمر فوجئت في السبت 26-10-1985 بنقيب يدعى: عبد الله الجليدي، الذي سأل زوجتي إن كنا اتصلنا بمركز شرطة غوط الشعال، فقالت: نعم، لأنني كنت أرسلها لمتابعة وتذكير المركز فإذا بهذا النقيب يكتب سيناريو أعد سلفا بينه وبين الفاعلين، بعد أن أجرى إخطار الشهود على النكران، وبعد إعدام المحضر الذي كُـتـِب في اليوم التالي للجريمة من أحد أيام فبراير 1985 . بعد كل هذا أكاد أكون جازما أن المداهمة هي الحل النهائي لفهم كلمتكم: “كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته” ! ثم يستمر المسلسل.

بعد إطلاق سراح بعض المساجين في مارس 1988 جاءني رجل أعرفه في المخابرات فقلت الحمد لله ربما يحيلونني للمحاكمة لكي أقول آخر كلماتي في حزب البربر هذا والبربريات والتبربر…

فإذا بي أمام رجل كان سجينا هو الآخر وأطلق سراحه في 3-3-1988 سألته عن ماهية حزب البربر هذا ؟

قال: لا إن اسمه (رابطة المغرب الإسلامي) قال إن منشورا ظهر بهذا الاسم وكل من قرأه ولم يبلغ عليه يعتبر من هذه الرابطة.

يا سيدي قائد الثورة العظيمة

ما علاقتي بالإسلام أصلا؟ ثم إن كان هناك منشورا فأنا لم أسمع لا بهذا المنشور ولا بهذه الرابطة إلى عام 1989 فأنا أولا منذ 21-2-1979 طريح المستشفيات لا أزور ولا أزار ثم من هو صاحب فكرة هذه الرابطة يا سيادة العقيد؟

أنتم تعرفون أكثر مما أعرف. ومن هو زعيمها؟

إن بصماتكم لاتحتاج إلى خبير، إن لم أكن مخطئا وأعتقد أنني لست مخطئا، إن رابطتكم هذه شبيهة بالمقالة الموقعة باسم (بقلم رئيس التحرير) في صحيفة الأسبوع السياسي عن المغرب وعن مشرقه وعن النقاش المفتعل الذي ختمتموه في العدد التالي لمقالتي بكلمة “الآن عرفنا ما تريد” ..

إنها مقالتكم تماما … هذه الرابطة رابطتكم.

لم أكن مخطئا حين اقتنعت أن الحوار فخ تحته فخ. منذ النقاط الخمس كان يجب علي أن أغادر البلاد لكنني أعترف أنني مغفل وغفلتي هذه أدت بي إلى أن يتسلق كتفي كل من أراد الوصول إليكم أو كل من يعرف أن كارثتي هي من فعل السلطات العليا إلى أن أحاصر حتى في أبنائي ومصدر رزقي وأدى بي كل ذلك إلى كتابة الشكاوي وفي كل مرة أجد أن القاضي هو عين الخصم،

هذه المرة أتمنى ألا أجد فيكم خصما في حين أخاطبكم قاضيا وحكما أما إذا وجدتم في مجرد كوني بربريا أستحق كل الاضطهاد حيا أو ميتا، فأنا لا أعتقد في الأولياء حتى أوكل لكم وليا وإيماني بالله تعرفونه، نحن الذين خلقنا الله ثم قتلناه، أحيانا أعتقد فيما أسميه بالقوانين العليا التي تحكم الكون، لكن هذه عبارة غامضة، في أغلب الأحيان أنا أومن بالعبث واللامعنى، سيطرة الشر تفقدني الثقة في كل شيء.

إنكم تعتقدون أن كل من هو جبالى فهو لا بد أن يكون مسلما ويستغل الإسلام ليقول أنا مسلم ولست عربيا، هناك فرق بين البربري والجبالي، أنا لست جباليا أنا بربري فقط إيماني بالإسلام اوهي من خيط العنكبوت،

الإسلام ثقافة عربية من الثقافات العربية، وأنا مثلكم أعتقد أن الإسلام ديانة أنزلت للعرب وللعرب فقط، أما انتشار الإسلام في غير العرب فهذه سياسة أملتها ظروف توسع الدولة العربية، وأنا لا أشاطر اليوم أي حزب من الأحزاب البربرية في الجزائر الرأي في أن الإسلام ديانة حيادية.

حزب آيت أحمد مثلا خوفا من نقمة أتباع الإسلاميين أوشك أن يكون حزب دراويش.

سعيد سعدي، لأشاطره الرأي في أن البربرية بعد من أبعاد الشخصية الجزائرية، العروبة هي البعد أما البربرية فهي القاعدة التي تتفرع منها أبعاد الهوية المغربية مثل العروبة والزنوجة والمتوسطية والحداثة…الخ، أما الدين سواء إسلاميا أو مسيحية أو يهودية فهذا إرث تاريخي،

دينياً لا فرق عندي بين: مولود معمري، وأنطونيو كوبيللو (جزر الكناري الذي تعرفونه جيدا)، وبين: ألبير ميمي، الكاتب البربري اليهودي وهذا تعرفونه في ندوة باريس 1974.

نفسيا كنت ولا أزال أن أواجه بقمعي بسبب كوني بربريا بل كنت أنا الذي طلبت أن أعود في 1981 من ألمانيا للمواجهة، لكن زج اسمي في رابطة وهمية (رابطة المغرب الإسلامي) فهذه لا أعتقد أنها من شغل المخابرات اعتقادا جازما كما لا أعتقد بشكل مطلق أنها من تلفيق المباحث، إذ منذ ندوة الفكر الثوري بدأ العداء للبربرية بشكل مقنع في كلمة لا يفهمها الناس، إنها: “الشعوبية”،ولا أدري من أوحى بهذه التعويذة السحرية ؟ هل أنتم أوحيتم بها إلى سيادة أبوزيد دوردة باعتبار أنكم درستم بعض السنوات في قسم التاريخ أم أن سيادته أوحى بها إليكم، هذه مسألة لا تهم، لكن لا شك أنكم تأثرتم كثيرا بكتاب لكاتب فرنسي هو: ألفريد بل Alfred Bell (الفرق الإسلامية في الشمال الإفريقي) الذي تصور أن هناك إسلامان، إسلام عربي هو الإسلام السني، وإسلام بربري هو إسلام الخوارج، منذ ذلك الوقت بدأ كل شخص ينحدر من جبل نفوسة ويملك قلما لا يردد ما يسمع من الإذاعات مرئية ومسموعة تدور أمامه أو حول اسمه دائرة حمراء : شعوبي،

في حين أن هذه كلمة تاريخية محصورة في الشرق لأن الإسلام حين انتشر بين الفرس أصبح الفرس “موالى” أي عبيد، فطالبوا بالمسائلة مع أسيادهم العرب، ومن الطبيعي أنه ليس من السهولة أن يتنازل المالك عن رقبة مملوكة مجانا فانتشر بين الفرس وعي سياسي يرمي إلى التوفيق بين الهوية الفارسية والإسلام معا. هذه الحركة أطلق عليها في المشرق اسم: الشعوبية، لأن الفرس احتكموا إلى القرآن نفسه في آية تقول بالمساواة: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، ظنا منهم أن الإسلام لا يفرق بين الشعوب ولم يدركوا أن القبائل أكبر من الشعوب وأن الشعوب أو الشـُعب أجزاء من القبائل ولا أظنكم تختلفون معي في هذا.

أما في تامازغا (المغرب) فالأمر يختلف لقد كان البربر “موالى” أو عبيدا هم الآخرون لكنهم لم يقولوا أن الإسلام دين تسوية كما قال الفرس ولم تكن مقاومتهم مغطاة بقناع الإسلام، بل كانت سافرة وهذا هو ما أدي بالبربر إلي ترك الاسلام أكثر من اثنتي عشر مرة، لقد وقع الفرس في معركة فاصلة واحدة هي القادسية… أما في تامازغا فكم من قادسية؟ في كل شبر كانت هناك قادسية ولم ينتشر الإسلام هنا إلى أن تبناه البربر أنفسهم في وقت متأخر حين قامت الدولة المرابطية وقضى يوسف ابن تاشفين على آخر معاقل البربر في برغواطة.

هؤلاء الذين كانوا يدعون إلى الاعتراف بالأباضية مثل: علي معمر، وغيره لم يكونوا ذوي ميول بربرية إطلاقا لكنكم وضعتم قانونا جاهزا: من يدعو إلى إحياء التراث الأباضي إنما يدعو إلى البربرية ويستخدم الإسلام قناعا لبربريته، وهكذا فإن أول حملة تطهيرية استهدفت الأباضية أكثر من أي شيء آخر في خطاب النقاط الخمس ثم امتدت لتشمل حتى من ليس بينه وبين الإسلام إلا الصلاة على النبي:

كل جبالى حتى لو كان ذي ميول ماركسية فهو متهم حتى تثبت براءته، وليس له من وسيلة لإثبات البراءة إلا الانخراط في الاستخبارات أو المخبرين أو سلك القوادين وهم الآن مزدهرون، وبفضل قوادتهم أصبحوا من ذوي الملايين وأنتم تعرفونهم أكثر مما أعرف.

يبدو أن مسألة البربرية تشغل رأسكم الكريم أكثر من مشاكلكم الأخرى حتى أنكم في خطاب “جادو”، بتاريخ 18 أبريل1985 كنتم تخاطبون الجماهير التي لا يهمها من أين تشرق أو تغرب الشمس، كنت أستمع إليكم تقولون: “حتى ذلك الرجل الذي كان يدعو لتحرير الكناري قال لي في الجزائر:

we are Hemyarits أي: نحن حميريون، وأن سكان الكناري يتكلمون نفس اللهجة التي تتكلمونها، كلا يا سيادة القائد، أنتم تقصدون: أنطيو كوبيللو، الذي تعرفون أنه أصبح معاقا مثلي لأن الاستخبارات الاسبانية هاجمته بطعنه في عموده الفقري عام 1978.

في الواقع إنني في 1974 زرته في مكتبه في الجزائر وقال لي: “سأقابل الكولونيل القذافي وسأطلب منه مساعدتي قلت له بالانجليزية (لأن كل سكان الكناري نسوا البربرية بعد الاحتلال الاسباني) قلت له :

« Take care, don’t talk to him about Berbers, he’s an anti-Berber, if you need a help from him tel him that you are Hemyarits ».

لكنه رد علي: كلا سوف أقول له الواقع لأن قضيتنا معروضة على يوثانت في الأمم المتحدة.

إنه الآن لا يزال حيا يموت موتا بطيئا وأنا أعلم أنكم على علاقة به فاسألوه لأنه جاء إليكم هنا في بداية 1977 ، وقد سألته فقال إنه قال لكم كل شيء، كان هذا بمعية السيد: سعيد القشاط، الذي ظلمه الجبالية كثيرا حين نشرت له وزارة الإعلام والثقافة كتابا يحتوي على معلقات في الجبالية :

“عمر كش ريت جبالى؟ مكتوب في الجرنال بصيغة والي؟”

و”البربري باريك من تخديمه مملوك بن مملوك طول حياتو”

وهذا كله كلام صحيح ومصدق عليه سواء في العهد الملكي الماضي أو العهد المضارع.

الحقيقة أنا ” العنصري” ! لكن معجب بشكل لا مثيل له بإبراز الحقيقة، من يقول أن البربري مملوك بن مملوك إلى أبد الدهر لم يـُزوّر التاريخ، هذه حقيقة ثلاثة آلاف سنة من العبودية والذل والتصفية أليست حقيقة؟

أما في كتابة: ( معارك الدفاع عن الجبل المغربي )، فليس من الحقيقة في شيء.

من هم الذين أدخلوا الترك إلى جبل نفوسة؟ ودمروا مخزن حبوب “جادو”، حينما ضربه الترك بالمدفع لأن الجبالية كانوا كالهنود الحمر، لم يعرفوا المدفع بعد كانوا يظنونه كالمنجنيق فلاذوا بالفرار إلى داخل القصر، فسالت دماؤهم كالوادي مختلطة بالزيت.

كيف استطاع الطليان أن يدخلوا جبل نفوسة الذي امتنع عن توقيع الهدنة مع الطليان حتى هزموا في الأصابعة؟

Amazry nnegh

Ulesn as tira

Kkesn as tidet

Urin-t s taba

Am ixfawen nnegh

Gum ten d ighemba

Ay imedyazen

Adlet tameghra!

لقد كتبت منذ خمس عشرة سنة قصيدة بالبربرية عن ذلك:

تاريخنا

أعادوا كتابته

نزعو عنه الحقيقة

وكتبوه بالدخان

مثل رؤوسنا

جعلوها كأحجار الأثافي

فيا أيها الشعراء

ابدأو حفلة العرس !

سيادة قائد الثورة

لقد تعودت أن أسمع منكم كلما اشتكى لكم شخص ما أو جاءتكم تقارير عن عدم الرضى عن شيء، تعودت أن أسمع منكم جوابا واحدا “أنا درت الثورة، اللي مش عاجبه إيدير على ثورة” ! بشكواي هذه تعلمون أنني ما نقدرش ندير ثورة حتى على ذبابة، إن هناك جرائم وغبنا ظل يطاردني حتى وأنا على أبواب المقبرة أو البحر وأنا لا أخاف لا من القبر ولا من البحر، هؤلاء الذين سالت دماؤهم طوال عقدين من الزمن، وهؤلاء الذين رميتم بهم لأسماك القرش ليسوا خيرا مني ولست خيرا منهم، كلنا ليبيون، ولكن هؤلاء الذين تسلقوا عبر حبر قلمي وعبر تقاريرهم في البشر، هؤلاء يجب أن تبحثوا عن حل لي معهم وهؤلاء يستعصون على الإحصاء، من يستطيع أن يحصي النجوم؟

وكما قلت فإن المخبرين سواء من ارتدوا رداء الثورة بعد أن كانوا ثيرانا وأصبحوا لجانا ثورية ثائرة مثيرة وهم كان الأجدر بهم أن يعودوا إلى دور الحضانة أو دور رعاية الطفولة.

أو سواء من المخبرين الذين يبحثون في تقاريرهم عن قوت يومهم وهؤلاء إما أن يخرجوا علنا ويمارسوا مهنة القوادة كعمل في وضح النهار وليس كعمل سري أسرة بالمواطنين جميعا، هؤلاء جميعهم هم الذين لا يفرقون بين التهمة الموجهة لي بين الأبيض والأسود المهم الإساءة .. وإلا فما علاقة الأكاديمية البربرية بـ:(رابطة المغرب الإسلامي)، بل: آيت أحمد، نفسه ما علاقته بالأكاديمية البربرية؟ وما علاقتي بهؤلاء جميعا؟ إنهم جميعهم موجودون الآن في الجزائر فلماذا لا تسألونهم؟ ولماذا لا تسألوني مادمتم تريدون إلحاقي بالحزبية أحببت أم كرهت؟ في حياتي كلها لم أجلس إلى خمسة أشخاص لمدة ساعة ما عدا تلك التي وجدت فيها نفسي أمامكم بغتة.

لكن المعضلة هي في تصور الجزائريين سببا للمسألة البربرية في حين أن بربريتي إنما هي ذات منبت ليبي محض.

“الجزائر” إسم مدينة أما “ليبيا” فهي إسم تاريخي لهذه القارة الإفريقية أو لثلاثة أرباعها.

في “برقة” وحدها نجد قراءة صحيحة لإسم حاكم إسمه “أمازيغ”وفي ليبيا نجد حضارة بربرية غير متأثرة بأي حضارة أوربية أو فينيقية هي حضارة “جرمة”،

أما فيما يخص اهتمامي باللغة والتاريخ البربريين فالفضل فيه يرجع للشيخ الطاهر أحمد الزاوي، ذلك أنني عام 1962 بعد أن أتممت قراءة كتب الأطفال، ذهبت إلى كتب الكبار في المركز الثقافي العربي المصري، كنت أبحث عن معنى كلمة ليبيا هذه التي تقرأ من اليمين إلى اليسار والعكس فعثرت على كتابه: ( تاريخ الفتح العربي في ليبيا )، كان الكتاب وقتها أكبر من حجمي ومن رأسي، ولقد أثار اهتمامي كلمة لم أسمعها قط في حياتي هي “البربر”، واستغربت كيف أنهم في “لواته” أسلموا ثم فرض عليهم عمرو بن العاص الجزية وكانوا فقراء فخطف بناتهم وأولادهم وبعث بهم إلى دار الخليفة أي عمر ابن الخطاب أعدل حاكم في العالم، ثم استغربت كيف أن قائدا عربيا إسمه: بسر ابن أرطأة، سار إلى أرض “ودان”، وأمسك بملكها فقطع يديه ورجليه وجرجره أمام قومه في “ودان”،

لم أفهم كلمة “البربر” هذه إلا حين وصل الحديث إلى “أم القرب” في جبال “نفوسه”، وكتب في الهامش: يقال لها بالبربرية “نانا تالا”، هنا عرفت أنني المعنى … لأنني لم أسمع من قبل في طرابلس ولا في الجبل هذه الكلمة، أعرف “مازغ” أو “أمازيغ” ولكن في الشوارع واللهجة العربية المتداولة كنت أسمع: “خامس وخوامس أو جبالى أو عقاب جبالى”،

وما أن أتممت قراءة الكتاب حتى فهمت أن الليبيين جميعهم بربر لا فرق إلا أن القسم الأكبر نسي البربرية بفعل الإسلام والبقية احتفظت بها فلا فرق عرقيا أو قوميا.

هذه هي البداية في 1962 أيكون المغفور له: الطاهر الزاوي، كاتب عميل للاستعمار؟

أم أن أصله فرنسي أو إيطالي؟

هذا شخص قال الحقيقة، وهو الذي فتح أمامي طريق مواصلة البحث تاريخيا ولغويا حتى اضطررت إلى دراسة لغات جنوب الجزيرة العربية وأسطورة حمير وافريقش وجالوت وطالوت وغيرها من الأساطير، بل إنني في سبيل معرفة أصول اللغات اضطررت إلى تعلم الانجليزية والفرنسية والايطالية فيما بعد، وكنت أعتبر الإسلام رغم ذلك فوق الجميع حتى درست الداروينية في مادة :الأحياء”، لأنني كنت متخصصا في القسم العلمي، هناك أدركت أن ما عرب ليبيا والمغرب هو الإسلام فقلت له: باي باي. وكانت آخر صلاة وآخر صيام.. إذ أن أستاذي الأول هو الشيخ: الطاهر الزاوي، أما الأستاذ الثاني فهو المرحوم: سلامة موسى، منه فهمت تفاصيل نظرية داروين وسلامة موسى مسيحي قبطي ولا أزال أفضل كتابات المسيحيين العرب عن غيرهم في الشعر والنثر وتأسفت كثيرا لانقراض المسيحيين من ليبيا.

المسيحي لا يحفر لك الحفر إنه يحاورك لا يداهمك، لكن المسلم، وهو ما حصل معي، بدأ الفخ ثم الإنذار ثم الملاحقة ثم التصفية وبعد التصفية يبدأ الدوس بالإقدام في الرزق وفي أولادي.. وفي ..وفي، حتى أصبحت سجينا مشلولا في الدور الثاني في شقة، لا أبارحها، على أنني أقنع وأرضى بكل شيء على ألا أكون من هؤلاء الذين يصفهم: غابرييل ماركيز Dauntien aduladan أو “المتملقون البواسل”، من كتبة التقارير في عباد الله لمجرد الحصول على شيء زائل أو هؤلاء الذين هم في الحقيقة يملكون مؤهلا حقيقيا واحدا وهو ترديد كلامكم لمجرد إرضائكم لكي يشار إليهم بكل بنان في العلن أما في الخفاء فيشار إليكم بالبنان الأوسط، إن هؤلاء يمثلون جهات رسمية ويمثلون أفرادا وهؤلاء لا يهمني أمرهم إلا في الضرر الجسدي والمادي والمعنوي وكل هذا الضرر هو ناتج عن هويتي البربرية وعن معرفة سيادتكم وسيادات أجهزة الأمن إنكم معادون للبربرية Anti-Berbers، ومشجب البربرية أصبح في متناول كل شخص أراد تصفية حسابه معي اعتقادا من هؤلاء أنني قد ترهبني هذه التهمة، وأبادر لا لأكرر بنفسي وبخط يدي أنني كاتب بربري، ليس أصلا ودما إن من يقول بالأصل والدم إنما هو نازي عنصري، إن بربريتي هي هذه اللغة والثقافة البربرية، لكنكم يا سيادة العقيد تؤكدون باستمرار على أن القومية العربية هي الدم العربي، إن هذه القومية العربية القائمة على أساس شرقي هي لون من ألوان قومية: هتلر، الألمانية النازية، ولكنني قبل ذلك أسألكم : هل أنتم فعلا تؤمنون بالقومية العربية؟ بعد تجربة اثني وعشرين عاما من وصولكم إلى الحكم لا يخالجني شك في أنكم لا تؤمنون بهذه القومية العربية وسأعطي لذلك مثالين :

أولا : سليمان الباروني

في بداية هذا القرن لا أعرف قبل أو بعد الغزو الايطالي، صدر كتاب يحمل عنوان “تاريخ السلالة البارونية” لا أعرف أيضا من ألفه هل سليمان الباروني أم أحد أقاربه، لكن المهم هو أن هذا الكتاب يرجع نسب سليمان الباروني إلى جد عربي، والمدهش أن سليمان الباروني أثناء عمله السياسي كان يراسل الشخصيات الأجنبية إيطالية وغير إيطالية بأرفاق هذا الكتاب مع رسائله معلقا بقوله : “وستجدون فيه أن عائلتي استوطنت هذه الأرض منذ أكثر من ألف سنة”.. !

وكما هو معلوم فإن تعبير “القومية العربية” أول ما ظهر كان في المشرق وبالذات في بلاد الشام وكان حملة لواء القومية العربية هم مثقفو الأقليات الدينية وخاصة الموارنة المسيحيون والدروز والعلويون، وجاء منهم إلي هنا رسل ومبشرون من أمثال: أمين الريحاني، صاحب كتاب: ( رحلة إلى المغرب الأقصى )، وهو مسيحي ماروني، وشخصية درزية كبيرة هو الأمير: شكيب آرسلان، هذا الأخير كان مناضلا كبيرا ضد الترك جاء إلي هنا مع غيره للتبشير بالعروبة وكانت له أياد بيضاء على ليبيا ( التي لم تكن ليبيا ) ضد الطليان، وانتقل إلى كافة بلدان المغرب لكنه عاد إلى المشرق وكتب مقالة شاكية باكية عن المغرب فحواها أن: المغرب لا يفرق بين العربي والمسلم وأن لا جدوى من المغرب لأنه إسلامي أكثر مما هو عربي.

مقالة شكيب أرسلان وهو الملقب بـ: أميرالبيان العربي، لم أقرأها لكن قرأت ردا لسليمان الباروني عليه، وهذا الرد ليس مقالة بل كتاب كتبه الباروني بعنوان: ( الرد على شكيب أرسلان )، وهذه هي المفاجأة والحقيقة التي غابت عن الجميع، ذلك أن الباروني في هذا الكتاب لم يكن أكثر بلاغة عربيا من أمير البيان العربي فحسب، فهذه مسألة أخرى لكن المدهش أن يجد القارئ أن الباروني وليس غيره من كافة مثقفي المغرب هو الذي تصدى لتفنيذ آراء: شكيب أرسلان، المشكك في عروبة المغرب ومن يقرأ كتاب الباروني لا يجد فرقا بينه وبين: ساطع الحصري أو: زكى الأرسوزي، أو غيرهما من رواد القومية العربية.

رغم كل ذلك فلا زال الباروني مجرد “عقاب جبالي خماس”، سواء عند الطليان أو عند الليبيين الناطقين بالعربية، فهو يسعى إلى إقامة “إمارة بربرية” كما نجد في كتاب غراتسياني لأنه لم يقبل الهدنة معهم إسوة ببقية الليبيين، والتقف بعض الكتاب الليبيين عبارة غراتسياني فرددوها، ثم تفتقت قريحة الشعراء

عمركش ريت جبالي..؟ ! مكتوب في الجرنال بصحيغة والى..؟ !

أو: البربري باريك من تخديمه مملوك بن مملوك طول حياتو

هذا يعني أن الباروني حتى لو اقتلع الكعبة وأتى بها على كتفيه ليضعها في بنغازي أو طرابلس فهو لا يزال بربري مملوك طول حياتو، ففي العهد الملكي السابق حاولت ابنته: زعيمة الباروني، أن تنشر وثائق والدها فوجدت من العنت ما اضطرها أن تنشر صورة الملك وتلعق أحذية وزارة الثقافة لكي تسمح بظهور جزئين من هذه الوثائق التي تهم تاريخ ليبيا قبل والدها، وفي العهد الحالي قبل وفاتها كنت شاهدا على رفض وزير الإعلام على نشر الجزء الثالث، كان ذلك في لقاء سيادتكم بالكتاب لأول مرة عام 1972، في أحد فنادق بنغازي، شاهدت رفض سيادة وزير الإعلام نشر هذه الوثائق وهي تستجديه، وشاهدتكم في نفس اللقاءات تقابلون كلامها وهي تمتدح الثورة بكل ازدراء الشيء الذي جعلني أتجاهل زعيمة الباروني حتى تقابلنا في المصعد، وسألتني بالبربرية : “هل أنت سعيد المحروق”؟

لم تكن تعرفني فأجبتها: نعم، ولكن لماذا تدعين هؤلاء يزدونك رغم استجدائك؟ أعطيني كتاب أبيك وسأنشره في بيروت

فقالت: ربما ضاع في المطبعة

لم التق بها بعدئذ حتى سمعت خبر وفاتها.

لو كنتم تؤمنون فعلا بالقومية العربية يا سيادة العقيد لكنتم جعلتم كتاب: (الرد على شكيب أرسلان)، هو بداية الوعي القومي العربي لكنكم مثل كثير من الناطقين بالعربية تعتبرون كلمات: إباضي، جبالي، بربري، كلمات مترادفة تعني: خامس، مملوك…الخ، والدليل أن مواقف وزارات الثقافة سواء الإيطالية أو الملكية الليبية أو عهدكم مواقف لا فرق بينها، ثم تتهموني بالعنصرية لأنني تكلمت بوضوح عن الحقيقة، وعن حقيقتي على الأقل وهو أنني كاتب بربري، لكن بدلا من أن تتهمونني جرياً على العادة بأنني: ” بربري أو عقاب جبالي “، أقحمتم إسمي في رابطتكم التى أطلقتم عليها إسم: (رابطة المغرب الإسلامي)، هذه الرابطة شبيهة إما بـ: ( الإمارة البربرية )، التي أطلقها الطليان على نوايا الباروني ورددها فيما بعد الناطقون بالعربية حتى أصبح الباروني مدانا في جميع الأزمنة حيا و ميتا، إذ أن هناك قناعة مسبقة: كل شخص يحمل قلما من ذلك الجبل فهو بربري شعوبي وغد، حتى لو امتد نسبه إلى قحطان أو عدنان أو يعرب وهاكم المثال الثاني :

ثانيا: حالة علي معمر وعمرو النامي

قبيل إعلانكم النقاط الخمس في 1973 كنت قد كتبت مقالة في صحيفة الأسبوع الثقافي لا أحتفظ بها لكنني أذكر أنها تدور على أحد شعراء الأرض المحتلة وهو: سميح القاسم الذي سار تحت العلم الإسرائيلي بصفته شيوعيا وأذكر أنني قلت في تلك المقالة ما معناه أن: كتاب وأحزاب المشرق طائفيون أكثر مما يعلنون فلا شيوعتهم شيوعية ولا إسلامهم بإسلام، الطائفية هي الأصل،

(( بعد حرق المكتبات وبعد سجن المتهمين بصفتهم حزبيين فوجئت بكم تخطبون في إحدى كليات بنغازي ترددون نفس الكلام حرفيا تقريبا، بعدئذ أدركت أن الأغلبية العظمى من السجناء من أصول جبالية وبالذات مجموعة كانت ترمي إلى إحياء الأباضية باعتباره مذهبا إسلاميا فإذا بهم سجنوا لأنهم “بربر” )).

المرحومان: على معمر، وعمرو النامي، إذا كانا من جبل نفوسة مولداً، فهما ليسا بربريين، المسألة البربرية لا تعنيهم لا هم ولا آخرين غير مشهورين ممن يرمون إلى الاعتراف بالأباضية كمذهب إسلامي، هؤلاء الذين طالبوكم بعد الإطاحة بالملكية السابقة علنا عقدتهم تكمن في الآتي :

- الأباضية ( وهي كلمة غير معروفة شعبيا وإنما يعبر عنها بكلمة خوارج أو يهود)، هذه الأباضية مطعون فيها من الأغلبية المالكية بأنهم خوارج غير مسلمين، هذا الانطباع الشعبي أراد المرحوم: علي معمر، أولا أن يقول إنهم مسلمون وأن الأباضية لا تعني البربر، لأن هناك من البربر من حارب الأباضية عند بداية دخول الإسلام مثل بربر “وفجومة”، الذين هاجموا مسجد القيروان وربطوا فيه خيولهم…الخ.

أما المرحوم: عمر النامي، الذي أطلتم في الحديث عنه في مناسبات لا تحصى فهذا كان يبحث عما يسمى في لغة الرياضيات بالقاسم المشترك الأعلى: كان إخوانيا “مودرن” لم تكن تشغله هو الآخر، المسألة البربرية كان يريد أن يقول دعونا من الأباضية ومن المالكية نحن جميعا مسلمون ولكي يؤكد ذلك اختار شخصية نفوسية وهو: أبو طاهر إسماعيل الجيطالي، وحقق أحد أجزاء كتابه “قناطر الخيرات” وقناطر الخيرات هذا هو أسهل ما كتب الجيطالي من حيث الفهم أما من ناحية التصنيف فالجيطالي لم يذكر في كتابه هذا لفظة الأباضية قط، لقد كان مشغولا بمناقشة أبي حامد الغزالي والغزالي هذا سني أشعري عربي من أصل فارسي.

إنني هنا لم أهتم سوى بهذين المرحومين لأنهما ذهبا ضحية تصور مسبق: ما داما هما وأمثالهما يتحدثان عن الأباضية والإسلامية فهما بربريان يغطيان أنفسهما بالإسلام، وهذا تصور مسبق وغير حقيقي إنهما يقولان أن الإسلام يجبّ (أي يلغى) ما قبله وأن اللغة العربية هي لغة الدين والدنيا والإسلام دين ودنيا وغيرهما من مبادئ الأصوليين الإسلاميين، والمعروف أن الإسلاميين في جميع أنحاء المغرب أباضيين ومالكيين من أشد التيارات الفكرية والسياسية عداء للمسألة البربرية، وهذا يعني أنني أيضا أشد الناس عداء لهؤلاء. جيلي من الكتاب البربر نقول بالبربرية:

Win k-ibeddlen s yibiw, beddel – it s yilem

أي: (( من يبدلك بالفول بدله بقشوره ))، كما هو مترجم للعربية الليبية.

غير أنني أستدرك بأن تلك الجماعة التي تمت تصفيتها جسديا هي التي يمكن أن تعبر عما يسمى بعروبة جبل نفوسة، لو أن مشروعهم لم يقمع لا أستطعتم أن تدركوا إنه في هذا الجبل أقيمت أول جامعة للعلوم وباللغة العربية وفي قرية أصبحت الآن نسيا منسيا، من “إيطرميسن” أو “طرميسه” خرج رجل إسمه: أبو موسى عيسى الطرميسي، وأقام هذه الجامعة التي أخرجت من علماء العربية في مختلف علوم عصرهم قبل تأسيس الأزهر أو القيروان، لو كانت هناك رغبة للبحث عن الحقيقة، فإن هؤلاء الذين يؤكدون على عروبة الجبل، لا هذه العصابة الجاهلة التي تتاجر بالعروبة لسحق اللغة البربرية التي تستعصي على الموت والفناء.

بهذين المثالين أخلص إلى أنكم لا تؤمنون بالقومية العربية كما يؤمن بها جمال عبد الناصر، لو أن عبد الناصر لا زال حيا وسمع بهذه التصفيات ضد أناس من طراز: علي معمر أو عمرو النامي، لتبرأ منكم على الفور.

في العيد العشرين لوصول سيادتكم إلى سدة قيادة الثورة قلتم إن الثورة ستبدأ في العشرين سنة القادمة وهذا قول صحيح ومؤكد، إنها الثورة في سبيل الديمقراطية وحرية إبداء الرأي لا حرية الموزعين الفرديين وأصحاب المصارف وغيرها من توافه الدنيا والآخرة، وهي ثورة آتية إن لم تقوموا بها أنتم فستقوم بها أجيال الليبيين مهما طال الدهر.

على أن هذا الكلام لا يمكنه أن يعني أن اللغة البربرية بعيدة عن العربية كبعد الانجليزية أو الايطالية مثلا، كلا، إن علماء اللغة في جميع أنحاء الأرض متفقون على تصنيف العربية والبربرية تحت عائلة لغوية تسمى عائلة اللغات الحامية السامية، وحيث أن حام وسام أسطورة من أساطير التوراة في سفر التكوين فإن العلماء يستعملون الآن تعبير : Afrasian languages أي اللغات الإفريقية الأسيوية، هناك خصائص تجمع هذه اللغات لا يتسع لها كتاب واحد.

أما الخرافات المحاولة أن ترد البربرية لهجة عربية فهذه لا تصدقها حتى العجائز :

(سيفاو) إسم أصله ليس فاو أي: السيد فاو، نسبة لجزيرة الفاو في العراق !

أكتفي بهذه الأضحوكة فقط :

في البربرية كما في اللغات هناك أفعال متعدية وأفعال لازمة، ولكي يتحول الفصل اللازم إلى فعل متعد فإنه يتعدى بإضافة حرف “س” في بداية الفعل اللازم.

“إيفاوي” أو ifaw فعل لازم من أفعال العادة الذي يجوز أن يتحول إلى صفة فإسم، هذه الكلمة تعني أنار وتعني ضوءا أيضا، ولكي يتعدى هذا الفعل يصبح في حالة الأمر:Sifaw أي أشعل أو أنر شيئا آخر لكن لكي يصبح إسم علم مثل علي وعمر…الخ، فإنه يأخذ شكل فعل ماض، لكن في اللغات الحامية السامية لا يعبر الفعل عن زمن وإنما عن عادة فيصبح الفعل يبدأ كما في العربية في صنيفة المضارع ISSIFAW “يسيفاو” وهنا كنت أسمع عجائز جادو إذا أردن أن يضيئن مسجدا فيقلنSifaw tamzgida أي أنر المسجد.

الهوية لا تبنيها الأساطير ولا هرطقات المرتزقة ولا قمع المخبرين ولا الرصاص ولا أسماك القرش، الهوية تبنيها الحكمة والمعرفة دون النظر للأغراض الزائلة وتفاهات المتملقين. أما من الناحية العرقية فلا يوجد هنا بربر على حدة وعرب على حدة أخرى، إنه تصور لا أساس له، الليبيون كلهم بربر بالوطن تعرب أونسي البربرية لأسباب دينية في الأساس لبعضهم، أما البعض الآخر فلا يزال يتكلم البربرية لأسباب تتصل إما بالتضاريس أو بوعي نسبي ضئيل، لكن الخطر المحدق بالبربرية ليس القوميات العربية في شكلها العنصري المطروح، الخطر المحدق يكمن في الدروشة الإسلامية إذا انتصرت، ذلك لأن الإسلام نفسه كما تشاهدون أنفسكم للعرب فقط والعرب عندي هم سكان الجزيرة العربية، إذ لو أنه نزل للبشر كافة في كل القارات لما وجدنا في القرآن آية مثل: ” إنا أنزلناه قرآنا عربيا وآية أخرى مثل “،” إنا أنزلناه حكما عربيا “، وكلمة “الناس” تعني هؤلاء الناس الذين يفهمون اللغة العربية، أما من لا يتكلم اللغة العربية فليس من “الناس” إنه أعجمي سواء كان فارسيا أو روميا أو بربريا، ومع ذلك فإن الخطورة عندي ليس في عروبة القرآن فلا شك أن في الإسلام بعض القيم الرفيعة رغم تشريعه للعبودية واعتبار غير العرب “موالى”، إنما الخطر في محوه للغات الشعوب والأقوام الأخرى وهذا هو جهنم والموت بعينه:

لا بد من إعادة النظر في القرآن نفسه لأن الإنسان هو الذي يخلق الدين وليس الدين هو الذي يخلق الإنسان. على الإسلام أن يقترب من إنسانية المسيحية التي هي الأخرى كانت حكرا لليهود لكن الحضارة الهيلينية طورتها ونفخت فيها من روحها.

على إنني إذ أعبر عن موقفي المناهض للإسلاميين، فإنني في الوقت نفسه تجدني لا أشاطركم القول في التشنيع ومحاولة تكريه الناس فيهم، الإخوان المسلمون وهم العمود الفقري لكافة الجماعات الإسلامية التي أطلق عليها الغرب إسم “الأصوليون الإسلاميون” هذا التيار منذ الستينات كنت أقرأ عنه، بل أنني قرأت كافة أدبياته، وهو تيار ليس كما كانت تصفه أجهزة إعلام عبد الناصر عدو للقومية العربية، بالعكس كما قلت إذ أن الإخوان هم الاتجاه أو الحزب السياسي الوحيد الذي دعا للقومية العربية قبل عبد الناصر، وسيد قطب الذي تسمونه: سيد قطب زاده، لا أعرف إن كان أصله هنديا حقا كما تقولون ولكنني أثناء تكوين وعيي الفكري كنت قد قرأت كل ما كتبه منذ أن كان شاعرا وتلميذا لـ:عباس العقاد، حتى كتابه الذي سماه: ( العدالة الاجتماعية في الإسلام )، حيث كفره العقاد متهما إياه بالشيوعية في نهاية الثلاثينات ثم محاولته استرضاء العقاد بأن مدح أتفه شعر كتبه، وهذه الكتابات تبرأ منها: سيد قطب عام 1952 لكن تجدون أصداءها في كتب الناقد اللبناني: مارون عبود، وبوجه عام ما كتب سيد وأخوه: محمد قطب، كتابا إلا وقرأته حتى آخر كتاب له “معالم في الطريق” ولقد أعجبت به إعجابا لا حد له وهو يواجه قرار حكم الإعدام عليه.

إن العقدة الأساسية في فكر الإخوان وكافة الإسلاميين الآخرين سواء في البلاد العربية أو عند: أبي الأعلى المودودي، في الهند أو عند: الخميني، في إيران هي في أننا لم نصل بعد إلى الثورة الفرنسية.

الإسلاميون يعتقدون أن الإسلام يختلف عن المسيحية في كون الإسلام دين ودولة، في حين أن المسيحية دين فقط وهذا هو مكمن الخطأ، المسيحية هي الأخرى كانت قبل الثورة الفرنسية دينا ودولة، أوربا الغربية كلها كانت تعتقد أن اللغة اللاتينية لغة مقدسة لأنها هي اللغة الأوربية الأولى التي ترجم إليها الإنجيل.

حكم رجل الدين كان لا حكم لسواه سواء في المأكل أو الملبس أو الحديث، لكن الثورة الفرنسية هي التي وضعت البابا في مكانه المناسب وفصلت الدين عن الدولة وقامت الدولة الديمقراطية العلمانية الحديثة السائدة الآن في العالم المسيحي. الإسلام بدوره دين فقط وليس دولة، والشريعة الإسلامية لا تتجاوز كتابا واحدا هو القرآن الذي كان ثورة في الثقافة العربية ونقل اللغة العربية من طورها الشفوي إلى طورها المدون المكتوب، واليوم الذي ستنتصر فيه اللائكية أو العلمانية آت لا ريب فيه، إنه اليوم الذي تسود فيه الديمقراطية لتعطي ما لمكة لمكة وما للبشر للبشر.

إن كاتبا مثل: خالد محمد خالد، وهو أبو العلمانية في العالم الإسلامي، كرس كل حياته لقضية الديمقراطية رغم أنه ليس غربيا لائكيا فهو مؤمن شديد الإيمان لكن للأسف حينما كتب أول كتبه في بداية الخمسينات “من هنا نبدأ” رد عليه إسلامي انتهازي بكتاب عنوانه “من هنا نعلم” وهو: محمد الغزالي، وهذا كان قبل اصطدام عبد الناصر بالإخوان، حيث وصف الديمقراطية بالكفر، هذا الانتهازي: محمد الغزالي، انقلب فيما بعد 1954 إلى ناصري وتنكر لما كتبه حيث كان عضوا في جماعة الإخوان المسلمين وهكذا تم إجهاض الديمقراطية في مصر.

إنني أسوق كل ما تقدم لتصحيح تصور يخلط بين البربرية والأباضية والإسلام، هؤلاء الأباضيون الإسلاميون لا علاقة لهم بالبربرية كما أنني بربري لا علاقة لي بالأباضية والإسلامية والطائفية الجبالية، إلا بالصلاة على النبي ! وإلا بتصوركم المسبق الذي يخلطني بالبازيين والفجل والمهلبية في قصعة واحدة تسمونها “رابطة المغرب الإسلامي”.

لأجل كل ذلك الرجاء إعادة النظر في الأمور التالية وبالخط الأحمر :

أ‌- إن مداهمتي بالسيارة يوم 21-2-1979 عمل من أعمال المخابرات تتويجا لكتابتي حوارا بدأتموه ليس باسمكم بل باسم: (بقلم رئيس التحرير في صحيفة”الأسبوع السياسي” في عددها 271 )، وكان حواري في نفس الصحيفة في عددها (275) بتاريخ 16 سبتمبر1977 . وأحيل إلى ما سبق في هذه المذكرة/الكتاب، بأنني أحسست فورا أن الحوار ليس حوارا بل فخا ولم أكتب رغم إلحاحات: إبراهيم الكوني، الذي تبين لي فيما بعد أنه مجرد مخبر في هيئة كاتب، والدليل هو سعيكم لمقابلتي حيث أنهيتم المقابلة بجملة تهديدية: ( كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته )، ومنذ ذلك الحين أحسست لأول مرة في حياتي أنني تحت الرقابة ما من مرة، سواء في قرية السراج أو عند بوابة نفس: إبراهيم الكوني، حيث أودعت السجن بسبب “أنني جبالي” كما قال عميل المخابرات وهو يلقي علي القبض، وحين أطلق سراحي إلى حين كانت معرفة شخص كنت أظن أنه مجرد مسِؤول صغير في المخابرات وهو: عبد الله السنوسي، الذي قال لي: “قل ثورة وإلا مش ثورة لكن إياك أن تقترب من منشآتنا العسكرية”، ورغم محاولات اجتنابي الوقوف أو الاقتراب بحكم الضرورة من أي مكان عسكري كما سبق أن شرحت، فإذا بي أداهم بالسيارة وكنت أنا آخر من يعلم بأن السيارة داهمتني في 21-2-1979 عن طريق محضر الشرطة المرفق (رقم 854 /1979- وحدة مرور حي الأندلس) والمحضر نفسه يعبر عن مطاردة وليس حادثا عاديا إذ لم تصدمني في طريقها فقط بل طاردتني للطريق الثانية وأنا في اتجاهي لصيدلية النجمة لشراء دواء مستعجل لابني، كما أن الجاني نفسه وإسمه واضح في المحضر: (حسن الكيلاني أحمد الهمامي)، لم أره على الإطلاق كما أن شرطة المرور نفسها لم تأخذ أقوالي على الإطلاق وكذلك فعلت النيابة وحتى إن كنت غائبا عن الوعي فإن بإمكان الشرطة أن تأخذ أقوالي عندما رجعت كما سبق أن قلت من العلاج بالخارج حيث بقيت نزيل مستشفى 11 يونيو لقطاع النفط، وحتى المحضر نفسه لم يفتح فور حصول المداهمة وإنما – كما يثبت المحضر المرفق نفسه- فتح بعد حصول الحادث في المستشفى ، بعض الناس يقولون بأن الحادث ليس صدفة أو قدرا ولكن:

Hit and rum .. أي إضرب واهرب، ولاأدري إن كان إسم الجاني إسم حقيقي أم هو وهمي؟ إن ما يزيد في قوة ظني – أقول ظني وليس يقيني لأنني في لحظة المداهمة كنت ميتا أو شبه ميت – ما يزيد في قوة ظني بأن الحادث إنما هو تصفية ما تلا ذلك من أحداث، إذ أنني رجعت من العلاج قاصدا مصحة 11 يونيو لقطاع النفط بتاريخ 10-7-1980 وبقيت في الجماهيرية إلى تاريخ 1982( مرفق طيه شهادة المصحة المذكورة وشهادات مكتب اللجان الطبية والمكتب الشعبي في ألمانيا )، كل هذه المدة قضيتها في مستشفى رسمي ولم أسمع بأن إسمي أدرج في حزب قيل لي إنه (حزب البربر) لكنني لم أعلم بالضبط إلا بعد خروج السجناء بعام أي في عام 1989 حيث سمعت أول مرة بما تسمونه بـ: (رابطة المغرب الإسلامي).

إنني أتساءل دائما هل إدراج إسمي في رابطتكم هذه تبرير لتصفيتي جسديا نتيجة كتابتي؟

إنني أكرر: لم أجلس إلى أكثر من ثلاثة أشخاص سوى وجودي فجأة معكم بصحبة مساعديكم الأربعة أو الخمسة، حتى من الناحية العائلية لم يسبق في حياتي التي وعيت فيها الدنيا أن جلست لخمس دقائق لأكثر من شخص أو إثنين، فما هو مبرر إدراج إسمي في جهة وهمية ؟ لأنني اُعتبر في عداد الموتى منذ 21-2-1979.

إذا كانت التصفية منكم فأنا لا أخاصم الآلهة، وإذا كانت من سيادة: عبد الله السنوسي فهذا منكم وإليكم، أما إذا كانت من اللجان الثورية التي ظهرت جهارا نهارا في مدن كل القارات تغتال الليبيين باسم الثورة فالرجاء إعادة هؤلاء الأولاد إلى دور الرعاية والتقويم لأن نسبة “الثورية” إلى أمثال هؤلاء الذين نموا منذ بداية السبعينات نموا طحلبيا أو فطريا عن طريق التقارير، يمكن أن تعني عندهم أي شيء ما عدا الثورة، وفي النهاية فلا يوجد في ليبيا من يمارس على الثورية اللهم إلا عن طريق التصفية، حين كنت أمارس الثورة كان هؤلاء سنوسيين ولا يزالون فما يشبه الليلة بالبارحة هكذا يقال بالعربية لكن اللغة العربية نفسها أصبحت أداة للتبرير لا للتعبير وتلك مسألة أخرى.

ما أطلبه هو إعادة محاكمتي في هذه القضية التي رفعت غيابيا وصدرت حكماًغيابيا في حين أنني حاضر هنا في ليبيا.

ب‌- الأمر الثاني فإنني أناشدكم إذا كانت مسألة التصفية منكم ليتكم فعلتموها كاملة وإذا كانت من المباحث والمخابرات فليتكم وليتهم فعلوها كاملة أيضا، ولكن بصفتي كاتبا بربريا لا بالصفة التبريرية في الرابطة المسماة بالمغرب الإسلامي لمجرد كتابتي مقالة أو مقالات علنية منذ عام 1962 وليس تلك المقالة التي قرأتموها في الحوار المفتعل عام 1977، ذلك لأن بعد تصفيتي سواء عمدا أم اتفاقا فإن كل الأيدي امتدت إلي بحجة أنكم ومخابراتكم وراء هذه التصفية، الجميع أصبحوا متفقون على التصفية الربع المتبقي من جسدي ويبدو أن هناك حكما لم يعلن بحرماني من حقوقي المدنية وهذا الحكم لايشملني وحدي فقط بل يمتد إلى طفلي القاصرين وزوجتي ، هذا الأمر لن أتوسع فيه لأنني كما سبق أن قلت كتبت فيه مائة صفحة ونيف كنت أنوي أن أبعث بها إليكم في أوائل عام 1988 لكن كما سبق أن قلت حينما اتصلت بأحد مساعديكم وهو سيادة: إبراهيم بجاد، أشار علي أن أسلمها إلى سيادة أخرى وهو: عزالدين الهنشري، فإذا بي أكتشف أنني لست محروما من الحقوق المدنية فقط بل ومن حق التقاضي أيضا، إن الفاعلين، المخبرون الأوائل في 2-11-1983 أتوا إلي في زي أقارب وارتكبوا ما ارتكبوه وهم في اطمئنان كامل لأنكم أنتم الذين صفيتموني جسديا ثم إذا بمخبرين آخرين كرروا نفس الجنايات في أوائل 1985 بتغطية كاملة من مركز شرطة غوط الشعال المجاور ثم جاءت التغطية منكم شخصيا أو على الأقل بمعرفة أقرب مساعديكم في فبراير1988 والدليل أن الفاعلين كفئوا بأن عين مخطط العملية قاضيا في المحكمة العليا، والآخر مديرا لأحد المصاريف رغم أنه لا يملك شهادة إعدادية أما الآخرون فقد أصبحوا بين ليلة وضحاها أثرياء إذ أن أحدهم توسل لي أن أقرضه ألفي دينار وفعلت وكان هذا في 1982 ثم نكر ذلك، وعاد إلي في 1985 ليصفي ما تبقى من جسدي وكل هذا بتغطية كاملة من أجهزة الأمن المختلفة سواء من المباحث في “جادو”، أو من مركز الشرطة المجاور لي بواسطة شخصين هما ضابط تحقيق يدعى: عبد القادر الحصبان، وشخص آخر وهو مدير المركز ويدعى المقدم: علي بوذيب، لكن في كل مرة أجد أن القاضي هو عين الخصم وكانت ثالثة الأثافي بأن صدر تهديد لي في حالة إعادة الشكوى من سيادة: عزالدين الهنشري نفسه الذي أحلتموني عليه عن طريق مساعدكم: إبراهيم بجاد.

إن إسرائيل وجنوب إفريقيا متهمتان بأنهما دولتان تنتهجان التمييز العنصري، وامتهان حرمة الإنسان….الخ، لكن ما حصل لي ولأبنائي من خطف ثم تنقلي قرابة عام ونصف في المستشفيات واستخدام أبنائي القصر كرهائن طيلة المدة، ثم استخدام مركز قرقارش كوسيلة لمحو معالم هذه الجرائم وكل ذلك بمعرفة جهات الأمن العليا فإنني متأكد أن إسرائيل تستحيي أن تفعل ما فعلتموه بي حتى بعد تصفيتي .

إن القضاء نفسه قضاء فاسد، وهذه جملة يمكن إثباتها بضبط أوراق القضية رقم 287/1985 غوط الشعال نيابة المدينة التي تم إبطالها عن طريق إجراء تحايلي وهو تفويت المدة التي يلزم القانون أن يصدر القاضي فيها الحكم لكي تصبح القضية كأن لم تكن حتى بعد أن تم في مركز غوط الشعال والنيابة العامة بتصوير المجني عليه هو الجاني ثم بضم المحضر المفقود الذي تم بمعرفة النقيب: موسى أبو عائشة، ثم بضم المحضر الذي هو عبارة عن محضر سيناريو بين الفاعلين ومركز شرطة غوط الشعال بمعرفة النقيب: عبد الله الجبلي، بتاريخ 26/10/85 بعد أن تم إخفاء المحضر الأول الذي كتب مباشرة ثاني يوم الاقتحام في فبراير 1985 بمعرفة: موسى أبوعائشة، وبعد أن يئست من متابعته، وبعد أن تم تخويف الشهود. ولا أدري هل: الجليدي، هذا هو نفس رئيس مباحث “جادو” أم قريبه؟ وفي النهاية أرجو ضم المذكرة/الكتاب الذي سلمته إلى عز الدين الهنشري عملا بقول مساعدكم: إبراهيم ابجاد، هذه المذكرة ليس لدي صورة منها كما أنها مصحوبة بوثائق عدة ولا أستبعد بعد ما سمعته من نقيب هو مساعد: عزالدين الهنشري، الذي قال لي: خذ مذكرتك وأنه لا يوجد جرم جنائي، قال ذلك شفويا ولم يرد علي بجواب تحريري، لا أستبعد أن تكون المذكرة قد تم إتلافها ونظرا للفساد القضائي لا أستبعد أن تكون أوراق القضية نفسها قد أتلفت واعتبارها كأن لم تكن، ذلك لأن القاضي في كل مراحل هذه المأساة هو عين الخصم وإذا لم يكن الأمر كذلك فهل هناك من يملك الجرأة على النظر في هذه القضية وضم أوراقها؟.

نفس السؤال أوجهه لرابطتكم المغربية الإسلامية هل يملك أحد الجرأة على إعادة النظر باتهامي على أن أكون حاضرا لأفهم على الأقل من أنشأ هذه الرابطة؟ وكيف تم إدراج إسمي غيابيا في حين أنني حاضر هنا في طرابلس؟ هذا الاتهام الذي هو في اعتقادي تبرير لمداهمتي وتصفيتي جسديا في 21-2-1979 ، إنني لم أذكر فيما سبق سوى أشخاص يمثلون جهات رسمية وكنت أعتقد أن هذه الجهات قضائية أو أمنية مسؤولة عن أمن المجتمع فإذا بي أكتشف خطأ كبير في تسليمي مذكرتي للمسمى المهندس: عزالدين الهنشيري، كنت أعتقد أنه مسؤولا عن عدل طرابلس كما هو في الظاهر وكنت أعتقد أنه يمثل قضاء فإذا بي نادم على ما فعلت من ناحيتين : ما دخل شعبان في رمضان أي ما علاقة الهندسية بالقضاء؟ ومن ناحية أخرى قيل لي أنه مجرد شرطي، وأعتقد أنه في هذه الجماعات التي مازالت كتابة التقارير في عباد الله باسم الثورية وربما مارس “الأعمال الفدائية” كما تسمون تصفية الليبيين سواء في الداخل أو في الخارج، إلا أن خطائي هذا كان نتيجة قول السيد: إبراهيم بجاد، أنكم غير مسؤولين وأنه المهندس المذكور هو المسؤول عن قضيتي، لكن بعد إطلاقكم سراح المساجين ومسحكم المسؤولية في المباحث واللجان الثورية ثم عودتكم بعد ذلك مدح اللجان الثورية ثم إلقاء المسؤولية عليها ثم بعد هذا الدوران 180 من اليسار إلى اليمين ومن اليمين إلى اليسار لم يبق إلا الصلاة على النبي، اخط إليكم شخصيا هذه المذكرة التي أوشكت أن تكون كتابا وفي ذهني أن أجد فيكم القاضي الذي هو عين الخصم كما جرت العادة معي منذ مداهمتي في 21-2-99 بل منذ الملاحقات التي تلت كتابتي الحوار المذكور في 1977 الذي أدى بي إلى سلسلة هذه المآسي.

ج) الأمر الثالث : قناعة جميع الجهات- قبل قناعتي أنا- أن مداهمتي عمدية صادرة من الأجهزة السرية، ووصلت إلى جميع الجهات بما فيها الضمان الاجتماعي وما نتج عن تقاريرها الطبية المزورة من إضرار بي في التعويض في الدعوى المدنية وفي عدم اعتبار إصابتي مرضا عاديا وليست بإصابة عمل ثم الاستعانة – كالعادة- في تغطية كل ذلك بالأجهزة الأمنية على النحو التالي :

رجعت من ألمانيا يوم 28 فبراير 1982 فأعطاني أحد الأشخاص تقريرين طبيين من الضمان الاجتماعي صدرا في غيابي أثناء وجودي في ألمانيا وهذا إجراء مخالف لقانون الضمان الاجتماعي إذ أن العرض على اللجان الطبية النهائية يأتي بعد انتهاء العلاج ويكون العرض بحضور المريض وليس غيابيا، وهذه هي المفارقة بعينها : إذ تم اتهامي في 1980 غيابيا في حين أنني غائب في ألمانيا.

صدر التقرير الأول بتوقيع: د. سيف النصر محمد في 20/12/1981 وأنا لم أزل في ألمانيا، أما التقرير الثاني الموقع من طرف أمين سراللجنة الطبية للمنطقة الرابعة، قد صدر في 10-3-1982 أي بعد وصولي إلى ليبيا بعشرة أيام ولم أحضر شخصيا على الإطلاق أية لجنة طبية، وهذا التقرير الأخير صدر بناء على العرض السابق في 20/12/81 حين كنت في ألمانيا كما تثبت ذلك شهادة المكتب الشعبي في بون المؤرخة في 25/2/1982، وكما تدل تأشيرة دخولي ليبيا في جواز سفري الذي لا يزال عندي. إن ما أضر بي ضررا شديدا هو التشخيص المغلوط في القرار المشار إليه الموقع من طرف أمين سراللجنة: علي محمد الزهوني، حيث جاء في التشخيص عبارة: “(( شلل نصفي مع التمكن من السيطرة على البول ))، وبعد اتصالي بعد سنوات هاتفيا أجابني الشخص المذكور على احتجاجي بعبارة: (صححناها) ولكن في الواقع لم يكن هناك أي تصحيح وإنما تزوير بإضافة كلمة (عدم) كما هو واضح من التقرير المرفق المؤرخ في 10/3/82 إذ لم يكفي أنه صدر في غيابي فلجأ المسؤول عنه إلى تزويره وأنا لست متأكدا

ما إذا كانت اللجنة الطبية العامة للمنطقة الرابعة مسؤولة عنه كلها أم أن الشسخص المذكور وهو عي محمد الترهوني فقط،

والسبب :

أولا : أنه صدر في غيابي هو والتقرير الأول الصادر في 20/3/1981 بتوقيع: د. سيف النصر محمد . وثانيا لأنني منذ بداية 19/1/88، وأنا أحاول الإتصال بالجهات المسؤولة أكثرمن مرة كما هو واضح في صورة إحدى رسائلي التي تركتها في مقر الجهة المسؤولة والمؤرخة في 12/3/1988 حينئذ لم أستطع أن أقابل أي مسؤول معترضا فيها على تشخيصي المغلوط الذي أضر بي في الدعوى المدنية، خاصة وأنني لم أحضر شخصيا أية لجنة طبية (صورة الرسالة مرفقة)، وبدلا من اتخاذ إجراء بصورة قانونية بعد هذا الاعتراض أو على الأقل بصورة إنسانية إذا بي أفاجأ ليلا بتاريخ 11/10/1988 بشخص يقال له: حسن سليمان زميت، وكنت أظنه مجرد زائر عادي لأنني سبق أن عرفته في ألمانيا أثناء علاجي وجاءني من قبل أكثر من مرة لكنه في هذه الليلة كان بصحبة شخص آخر وكان معي ضيفا فطلبا منه أن يخرج لأنهما يريداني بصورة شخصية فإذا بهذا الشخص الذي ظننته جاء لمجرد زيارة ودية كان هائجاً من رسالتي المذكورة ولم أعلم سبب الهياج، وهنا فقط آمنت أن الشعب الليبي كله تقريبا أصبح إما مخبرا، أو يستعمل هذه الوسائل حتى في الشكوى من تقرير طبي إذ أنه 20/10/1988 جاءني أحد الأصدقاء الذي بعثته للضمان للاستفسار عن تظلمي بنفس الرسالة التي مسحت بالحبر الأبيض وكتب عليها بعد محو الملاحظة عبارة: “إلى اللجنة الطبية العامة”، ورغم أن هذه الرسالة موجهة إلى دكتورة تسمى: سنية، وسلمت لها (وهذا بناء على توصية أحد موظفي الضمان ويدعى: علي المفتي)، إلا أن الشخص الذي احضر لي رسالتي وجدها عند نفس سيادة: علي محمد الزهوني ؟ وعند استفساره عمن كتب هذه العبارة قال: لا أعلم !

لكن عند مراجعتي لهذا الخط وخط آخر مكتوب بيد نفس زائر المساء المذكور: حسن سليمان زميت، وجدته واحدا !

هذا يعني أن سيادة: علي محمد الترهوني، أراد أن يتخلص من المسؤولية فترك زائر المساء يتولى حتى رد الشكوى إلي بصورة يظن أنه تصرف بمهارة، تماما كما فعل مع التزوير الأول في التقرير الطبي الذي أضيف إليه كلمة “عدم”، وهذا ما يجعل لدي شكا قويا في أن الشخص المذكور موظفا في جهاز ما، وإلا فما علاقته بالضمان أصلا؟ إن كل ما أعرفه عنه أنه جندي في القوات المسلحة فهل هذا الشخص المذكور هو فعلا مجرد جندي؟ أم عضو في لجنة ثورية أم مباحث؟ وهل الضمان الاجتماعي أمانة إنسانية تعنى بشؤون المرضى أم أنه هو الآخر منشأة عسكرية عملا بقول سيادة: عبد الله السنوسي، حين أوصلت إلى منزله أحد أصدقائكم وهو سيادة: إبراهيم الكوني؟ الذي ظننته مجرد كاتب فإذا به شيء آخر.

هذا الأمر الثالث أو المجموعة الثالثة من الكوارث أسفرت عن :

أولا : إن التقرير الطبي المذكور المرفق المؤرخ في 10/3/82 أضر بي إضرارا بالغا في الدعوى المدنية ضد شركة ليبيا للتأمين (الصادر حكمها المرفق في 25/1/1984 ) فقد جاء في حيثيات الحكم نص التشخيص المزور (شلل نصفي مع التمكن من السيطرة على البول) والمعروف أن التقرير المذكور صادر عن جهة رسمية وهذا ما أدى بي إلى استلام مبلغ زهيد، إذ أنني لا أعرف من سلم المحامي الذي وكلته في الدعوى المدنية عام 1980، لا أعرف من سلمه ولا كيف استلم هذه التقارير؟ إذ ليس معقولا أن أسلم في دعوى التعويض تقارير مزورة تضر بي.

ثانيا : أن الدعوى المدنية أقيمت – كما هو واضح من النص القضائي المرفق بتاريخ 26/6/83، وفي هذا التاريخ كانت المحاماة الخاصة قد ألغيت وقامت بدلا عنها إدارة المحاماة الشعبية التي تولت أمر قضيتي، ولم أعلم بهذا الأمر إلا في عام 1989 إذ كنت أبحث عن منطوق الحكم الذي لم يسلمه لي المحامي: عبد الرحمن الجنزوري، وقت صدور الحكم حيث وجدت أن إدارة المحاماة الشعبية هي التي تولت الدفاع، لكن المحامي المذكور جاءني في المستشفى في شهر أبريل 1984 واستلم مني خمسة آلاف دينارا لأنني في عام 1980 وكلته وقال سأطلب خمسين ألفا وآخذ خمسة آلاف وهكذا وقعت على التوكيل الذي لا أملك نسخة منه، ثم سلمته المبلغ المذكور في أبريل 1989 أي أنه استلم أكثر من ربع مبلغ التعويض لأن مبلغ التعويض كما هو ثابت في صورة الإيداع من طرف المحامي المذكور 19.800 دينار، ثم اكتشفت حين أردت أن استخلص بعض الأوراق من المحكمة أن المحامي لم يدفع حتى رسوم القضية، وجاءني تهديد من موظف مسؤول في المحكمة بأنني إذا لم أدفع الرسوم سيحجز على ممتلكاتي !

كيف آخذ المبلغ وهرب؟ ! كان هذا في 12/12/1990.

وإنني أرجو أخذ حقي من الضمان الاجتماعي ومن اللجنة الطبية بتقريرها المزورين، وكذا مبلغ (5000) دينار، الذي استلمه المحامي: عبد الرحمن الجنزوري، والذي هو أكثر من ربع التعويض وليس بأتعاب محام، ويمكن أن تنطبق عليه أكثر من مادة في القانون الجنائي، بإرجاع المبلغ خاصة وأنني حاولت المستحيل خلال عامي 1990و 1991 لكن لم أجده هاتفيا في بيته أبدا ووجدته مرة وتنصل مني بكل الطرق، وحاولت معه عدة طرق ودية مع أصدقاء يعرفونه وأخيرا رفض حتى محامون آخرون إقامة دعوى عليه باعتبار أنه زميل مهنة وحيث أنني أنا الآخر محام منذ 1972 ولي الحق في التسجيل مرة أخرى لكن عجزي إضافة إلى التسيب الإداري ( وربما حتى الجهات الأمنية، هذه مسألة لا أستطيع إثباتها )، حال كل ذلك من تسجيلي محاميا رغم أن لي الحق في الترافع أمام المحكمة العليا (مرفق طيه جميع أوراق التسجيل في المحاماة).

ثانيا : أما ثالثة الأثافي التي تجعلني أصل إلى حد اليقين في أن هناك توصية ضدي للوقوف في وجهي أمام جميع الجهات الرسمية وكأنها كلها منشآت عسكرية على حد قول سيادة: عبد الله السنوسي، قبل مداهمتي فهي أنني بعد وقوعي أرضا في 21-2-1979 كنت أحسب أنكم سوف لن تحاربونني حتى في رزقي إذ أنني صفيت جسديا وأنا راجع من عملي في الطريق المعتاد وكنت أظن إلى حد مارس 1991 بأن الضمان الاجتماعي عامل إصابتي على أنها إصابة عمل لأن جهة العمل الأصلية وهي شركة الواحة للنفط اعترفت وكتبت رسالة بذلك إلى مدير الضمان الاجتماعي كما أن الجهة التي انتدبت للعمل فيها في ذلك الوقت هروبا من المنشآت العسكرية عملا بقول سيادة: عبد الله السنوسي، هي الأخرى كتبت رسالة تفيد أن إصابتي إصابة عمل، لكن في أوائل عام 1991 بعد أن فشلت في الحصول على مسكن أرضي وحيث أنني ليس لدي المبلغ الكافي لشراء منزل أرضي في طرابلس فرأيت الانتقال إلى بلدية الزاوية عسى أجد فيها منزل رخيص الثمن، فطلبت نقل ملفي الضماني إلى بلدية الزاوية لكنني لم أتحصل على منزل بعد اشتعال أسعار العقارات نتيجة لعودة التجارة في أكثر صورها بشاعة واستغلالا عن طريق ثورة لغوية باستعمالكم كلمة (موزع فرد) وهذه لا شك من إبداعاتكم لأن أحدا لم يطالب بعودة التجارة سواء سرا أو جهرا وعدت إلى شقتي في طرابلس لكنني في مارس عدت إلى النقاط الخمس ورأيت ملفي الضماني بعد أن قلت لهم أن إصابتي إصابة عمل فأراني أحد الموظفين ورقة تسوية الوضع حيث وجدت أن الضمان الاجتماعي في طرابلس عاملني على أن إصابتي مرض عادي، ولقد بقي ملفي هناك بعد أن طـُلب مني الأوراق اللازمة الرسمية ومحضر الشرطة حتى نهاية شهر أغسطس 1991 وتعللوا هناك بأن اللجان الثورية لم تكتب رسالة بالخصوص؟؟؟ فما علاقة اللجان الثورية ؟؟؟ وفي أغسطس 1991 أرجعت ملفي مرة أخرى إلى طرابلس وهنا قيل لي أن مستشارا قانونيا إسمه: علي القذافي، قال لا فرق بين إصابة العمل وغيرها، وحتى نسبة الـ 15 % التي زيدت في الزاوية إلى الـ 10% والتي هي مقابل خدمة شخص آخر(معاون)،اعتبرها سيادة: علي القذافي فقط 5 % وقال سيادته أنه لن يعطيني سوى 15 % لأن نص القانون شيء وحالتي شيء آخر.

إنني أرفق لكم رسائل جهات العمل وحتى اعتراف الضمان الاجتماعي نفسه بأن إصابتي إصابة عمل قبل أن يلغوها الآخرون 180 درجة، ويعاملون إصابتي على أنها غير إصابة عمل والرجاء البت في هذا الموضوع : هل هناك توصية ضدي حتى لدى حفار القبور؟. أم أن الضمان الاجتماعي جهة يجب ألا أقترب منها لأنها من منشآتكم العسكرية؟

ألمجرد كتابتي أو مشاركتي في حوار أصبح عرضة للملاحقات ثم القبض علي لمجرد أوصلت أحد عملائكم وهو: إبراهيم الكوني، لبيته بجوار سجن الحصان الأسود .. تداهمونني ثم تخترعون رابطة المغرب الإسلامي لتزجوا بي فيها ثم لا يرضيكم كل ذلك فيمتد الاضطهاد إلى إبني القاصرين وزوجتي وتغطون على كل ذلك ثم تحاربونني حتى في معاشي لأصبح أتقاضى نصف مرتبي مضافا إليه 40 دينارا ثم تتخذون من :”جادو” مثابة لإبادة اللغة البربرية؟ لو تعلمون الحقيقة بأنني بربري من طرابلس ولا أعرف جادو ولا يعرفني أحد من جادو سوى سماعا.

هل ستدمرون طرابلس إذا علمتم أن بربريتي نمت في 1962 في طرابلس وليس في جادو ولا أي مكان آخر فهل ستدمرون طرابلس؟

وإذا علمتم أن الشيخ الطاهر الزاوي هو أستاذي الذي فتح عيني فهل ستخرجون رفاته وتلقون به في البحر؟ ثم إذا كان الضمان الاجتماعي من منشآتكم العسكرية فما هذه المداهمات هنا في شقتي التي كتبتم ألا أغادرها.

هل حدث مثل هذا في إسرائيل؟.

ثالثا : وهذه رابعة الأثافي مع الضمان الاجتماعي (وفي العادة أن أحجار الأثافي ثلاثة) لكن أن تمتد الأيدي ضدي حتى إلى مركز جنزور لتأهيل المعاقين فلا أجد لهذا تفسيرا ؟

منذ عام 1984 حين اضطررت إلى اللجوء إلى مستشفى الخضراء بعد السطو على أبنائي ولولا وجود صديق إسمه: فوزي جلال، لكان قد قضي علي جوعا في شقتي وهذه هي القضية التي اشترك فيها المخبرون ومركز شرطة غول الشعال والتي انقلب فيها المجني عليهم إلى جناة والجناة إلى مجني عليهم وكانت مكافآتهم المناصب والتي لا يسعني أن أتحدث فيها بأكثر مما كتبت في المذكرة التي سلمتها إلى أمين عدل طرابلس سيادة: عزالدين الهنشري، بناء على إشارة سيادة: إبراهيم بجاد وهي كما سبق أن قلت تزيد علي مائة صفحة كما يراجع الأمر الثاني من هذه المذكرة.

ففي أبريل (وهذا ثابت من ملفي في مستشفى الخضراء رقم (57570) بعد أن طالت إقامتي في مستشفى الخضراء الذي لجأت إليه بمعونة الصديق المذكور في 3/11/1983 وقد اتصل الدكتور رئيس قسم المسالك البولية: عبد الوهاب القبرون، بمدير مركز جنزور للتأهيل سيادة: نوى الهمالي، لكن سيادته عمل المستحيل لإخراجي من المركز تارة بدعوى أن النزلاء لا يسمح لهم بالإقامة إلا بأمر سيادة: الزروق رجب،؟ وتارة أخرى بتكليف الأطباء البولنديين الذين فهمت منهم لأول مرة لماذا انهارت الشيوعية في العالم إذ أنهم مستعدون لكتابة أي تقرير طالما أن الأمر صادر من رئيسهم فكلفهم بكتابة تقرير Failure in bath riels أي لدي هبوط في كل الكليتين سأحال إلى مستشفى تاجوراء للكلى الصناعية لكن الطبيب في تاجوراء حين رأى ملفي محال على: عبد الوهاب القبرون، قال أن هذا أكبر طبي في المسالك البولية ومن المستحيل أن أخرج من عنده بهذا التشخيص وهكذا أعادوني إلى مستشفى الخضراء، ولقد سمعت من أحد الزوار أن سيادة: نورى الهمالي، حلف بالطلاق ألا أبقى في المركز وهذه الحالة لا تفسير لها سوى قول المحامي السالف الذكر: عبد الرحمن الجنزوري، (وكان قد سجن في مايو 1984) بأن رجال التحقيق معه سألوه عن علاقته بسعيد المحروق !

يبدو أن هناك توصية أخرى على من جهات عديدة.

أو أن المحامي المذكور وجد فرصته لبث الإشاعات حتى يتفادى إرجاع المبلغ الذي تحايل على حيازته بدون وجه حق، أو ربما يكون الأمر صحيحا لأنني لم أسمع شيئا بأذني، ولكن حتماً هناك شيئاً ما لا علم لي به.

لقد أقمت في أبريل 1984 مدة لا تتجاوز عشرة أيام، وكنت مستعدا لكل ما يأمر به سيادة: نورى الهمالي، أمرني بعدم الخروج من الحجرة فوجدني صبورا لا أخرج على الإطلاق، ولو أن الطبيب في مستشفى تاجوراء للكلي الصناعية صدق تقرير سيادة: الهمالي، فكان من الممكن أن تجرى لي عملية استئصال للكلى وزرع كلي صناعية لا تدوم في العادة أكثر من عشرة أيام، وعند رجوعي لمستشفى الخضراء سمعت عنه من أكاذيب يستحيي الشيطان منها فمثلا قال لبعض المسؤولين (السيد عمر الحامدي بالتحديد) أنني بقيت في مركز الشرطة ثلاثة شهور، وكان المحامي: عبد الرحمن الجنزوري، استلم مني صكا بالمبلغ المذكور في ذلك المركز أي في شهر أبريل وربما كانت الكلمة الوحيدة الصادقة التي قالها لي المحامي: “إن الهمالي هذا يكرهني لله بدون أن يعرفني” ولا أجد سببا لكل ذلك سوى توصية ما صدرت للمركز المذكور بعدم قبولي لأسباب لا أعلمها تماما مثلما لا أعلم بالكيفية التي تمت بها تصفيتي في 21-2-1979، والعجيب أن سيادة: الهمالي، لمجرد التواء في رجله نام في مركزه أكثر من سنة، أما سيادة: سيد قذاف الدم، الذي أصبح المركز جزءا من بيته فلا تعليق عليه، كيف لي أن أتكلم عن الآلهة؟ وما وجه المقارنة؟

الدم الأزرق فوق الجميع.

لقد حاولت كثيرا أن أقنع نفسي بأن أمثال هذه التجارب قد تكون مجرد تصرفات شخصية إذ ما فائدة الدولة في أن تقهر شخصا قهرته جسديا، لكنني وجدت نفسي واهما لأنني خلال سبعة أشهر حاولت أن أعود للمركز المذكور للعلاج الطبيعي فإذا بي أجد الدخول لهذا المركز الذي هو مجرد طريق إلى القبر، أصعب من الجنة الموصوفة في القرآن حيث دخلت برسالة من مسؤول إسمه: إبراهيم قويدر، لمجرد البقاء 15 يوما للحصول على تقارير طبية فإذا بي أمام مسؤولين في المركز لا يحملون حتى الشهادة الثانوية، ولم يتركوني لإجراء الفحوصات الطبية حيث دخلت الأربعاء 29/7/1987 وخرجت الثلاثاء 18/8/1987 وفي خلال هذه المدة كان الإستدعاء اليومي من طرف مسؤول إسمه: محمد الحداد، يطلب مني الخروج، وبعض التقارير كتبت كالعادة بدون فحص فندمت على دخولي. وفي عام 1989 أجريت عملية في تونس على العمود الفقري حيث أشار علي الطبيب وهو أستاذ في العظام بضرورة المشي والعلاج باستمرار وإسمه: أحمد دياب، وسبق له أن زار مركز جنزور فلم أدخل المركز إلا بمعجزة أخرى وإذا بي أكتشف أن هذا المركز يجوز أن يكون مركز شرطة أو منشأة عسكرية على حد قول سيادة: عبد الله السنوسي، ولكن ليس بمركز للتأهيل أو العلاج الطبيعي ففي الثلاثاء 20/6/89 ذهبت للجنة إسمها لجنة القبول وإذا بها لجنة لو كنت في الظروف العادية أجد عيبا حتى في الجلوس أمامها يرأسها شاب مراهق إسمه: سالم زرتي، وأقول مراهق لأنني أعرفه حين أقمت في مستشفى الخضراء وكان متدربا. لكن سيادة: سالم زرتي، لم تعجبه كلمتي حين قلت له رأيتك حينما كنت متدربا وكأن الإنسان يولد طبيبا من بطن أمه، ما يحز في نفسي أن أجدني أمام طفل حينما كنت أنا أدرس الطب في القاهرة عام 1966 لم يدخل الصف الأول الابتدائي، أما لجنة القبول فلا بد أن تكون خليطا من معلمين أو بوليس أو ما شابه ذلك، ورأيت من الحكمة أن أدخل المركز رغم كل ما فيه، فدخلت الثلاثاء 27/6/89 فإذا بي أمام شخص يسمى: رمضان؟ يطلب مني أن أكتب تعهدا بخط يدي أقول أنني أتعهد بالخروج عندما يقال لي أخرج من المركزفكتبت تعهدا كنت أظن الموظف المسؤول سيمزقه بمجرد قراءته (صورة التعهد مرفقة)، فإذا بالموظف سيادة: رمضان، يكتب كما هو واضح في صورة التعهد بأن المركز سيسلمني لمركز الشرطة إذ ما نعت في الخروج (إقرؤوا التعهد وأقرؤوا ما كتبه سيادة رمضان)، هممت أن أبارح المركز على الفور لكنني صبرت على مضض عسى أجد علاجا لكن كل يوم يقولون لي أن سيادة: رمضان، لم يقرر لك المشي ومن هو سيادة رمضان؟ إذا حذفنا أيام العطلات التي خرجت فيها للبيت فلا أكاد أقمت في المركز أسبوعا إذ أنني خرجت من المركز يوم 20/7/89 ولم أعد حيث أرسلت على نفسي صورة التعهد بكلمة إلى مدير المركز تحت ملاحظة سيادة رمضان أقول أنني خرجت لأنني لم أجد علاجا، وفي الحقيقة أنني خرجت لأن ضغط الدم عندي ارتفع لأول مرة في المركز المذكور إلى 175 ولأنني قبل أن أخرج قلت لسيادة: سالم زرتي، الذي اكتشفت أنه مسؤول القسم،: لماذا ذكر إحالتي لمركز الشرطة وأنتم كلكم بوليس؟

وبالفعل رغم أنني خرجت على الفور فإذا بي أستلم ورقة خروج تعزو خروجي “لانتهاء المدة المقررة لي وأرخت الورقة في 3/8/89 ؟؟ لقد أصبح الكذب مدونا بعد أن كان شفويا فقط، والغريب أنني عدت لأخذ دواء ومعدات طبية لاستعمالها في شقتي حتى أترك السرير لشخص آخر، وأترك المركز لأنه يجوز أن يكون غطاء للمباحث فإذا بأصحاب السيادة في مركز جنزور يقولون لي أن الدواء والمعدات الطبية للنزلاء فقط ؟

إنني أتقاضى نصف مرتبي الذي كنت أتقاضاه وهذا لا يكفيني حتى في قوتي اليومي فما بالك بالمعدات الطبية الخاصة بالمعاقين والتي أحتاج إليها كل يوم، ثم أن هذه المعدات غير موجودة للبيع، وحين سألت سبب وجود معاقين مقيمين لمدة عام وعامين قيل لي أن وراءهم ضباط، وأنا ورائي مخابرات يا سيادة العقيد العظيم.

حينما قلت لي: كل واحد يعرف كيف يدافع عن مصلحته، أنت نفذت تهديدك ولكن لم أكن أظنه يصل إلى هذا الحد، إنني أعرف أن الحوار لم يكن حوارا وإنما هو شرك وفخ قبل أن أقدم على كتابة ما كتبت لكن الحوار المقابل أصبح ملاحقة ثم سجنا ثم مداهمة ثم اختلاق رابطة أو حزب وزج إسمي فيه لمجرد كتابة ما كتبت.

إن قضية وحدة المغرب أو كما أسميه “تامازغا” هذه القضية كتبت فيها مئات المقالات قبل أن تصل فخامتكم إلى السلطة وهويتي البربرية لا تحتاج إلى نصف شرك أو فخ لأنني أكرر دائما: إذا لم أكن واضحا في هويتي البربرية فمن الواضح إذن؟

لكن الحرب إلى هذا الحد من كل جهة شيء لم يحدث في أي بلد.

لمجرد أن شخصا كتب علنا بأنه يؤمن بهذا ولا يؤمن بذاك أو يحب أكل الكسكس ولا يحب البازين أو أنه قصير وليس طويل، إنني أكتب إلى سيادتك هذه المظالم وأعرف سلفا أنني سأجد فيك خصما لكن هذا لا يهم ، المهم أن أسجل أن هذه الألعاب لم تستغفلني وأنا مستعد لكل شيء لقد تحملت وتحملت عائلتي الصغيرة في سبيل اللغة البربرية المقدسة كل هذا الموت والعذاب والإهانات والتفرقة والعنصرية فلا تسقطوا على ما تشعرون به.

إن من يقول اللغة العربية سم فهو عنصري نازي فاشي وأن من يقول البربرية صهيونية وسم وعمالة للاستعمار إنما هو عنصري نازي فاشي وانظر إلى أي مدى امتدت أياديكم حتى أصبح جواز سفري أو بطاقتي الشخصية أو جنسيتي الليبية مجرد كلمات لا تدل على شيء، فليس لي حق الحياة وليس لي حق التقاضي وليس لي حق رؤية الشمس على مدى الحياة ماذا تركت لي يا سيادة القائد؟

لم يبق سوى أن تأخذوا جنسيتكم الليبية وتسقطوها علنا … هبوا وأضرموا النيران في الساحة الخضراء وارموا بجثتي فلا أخشى نيرانكم ولا أخشى أحقادكم لأن السعداء هم الموتى، إن كلمة ليبي أصبحت لعنة وسـُبه وعارا بل إن كلمة عربي التي تعني حضارة عظمى وتسامحا جعلتم منها دما مراقا وممسحة تمسحون فيها أيادي القتلة… والوحدة العربية التي لم تكن تتناقض مع الثقافات التي تتعايش معها جعلتم منها ذريعة لاستئصال الجذور، ولقد ظننت بعد تصفيتي جسديا بأن أمري انتهى بأشر مما انتهى إليه الذين صفيتموهم كليةً في الداخل والخارج، فإذا بكم تسلطون الدنيا كلها علي، حتى في الجرائم الجنائية التي وقعت ضدي وضد زوجتي وابني القاصرين،

ولا تقولوا لي: ” أنا قائد ثورة فقط ولست رئيسا أوملكا “، كما اعتدتم أن تتنصلوا من المسؤولية لأن مسؤولية القائد أكبر من مسؤولية الرئيس أو الملك فالرئيس دستوريا مسؤول عن وزرائه والملك دستوريا يملك ولا يحكم أما أنتم فحتى صيغة الخبر في صحيفة ما لا ينشر إلا بعد إذنكم، فإذا قلتم أنها تجاوزات شخصية كما اعتاد الرؤساء أن يقولوا فأنتم قائد للجان الثورية وأنتم الذين كونتم هذه اللجان وأطلقتم يدها في كل شيء ثم أنكم مسؤولون عن أجهزة الأمن كلها لأنكم أنتم الذين تعينون المسؤولين وجميع الأسماء لا بد أن تمر عليكم قبل ما تسمونه بالتصعيد والتنزيل. ولقد قلتم بأنكم المسؤولون عن قيام الثورة الإيرانية وأن الخميني كان يأتمر بأمركم فكيف ببلد صغير مثل ليبيا هذه التي لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة ملايين؟ كل شخص يعرف الآخر ويعرف أقاربه وحتى أسراره في قبيلة صغيرة مثل ليبيا، وهذا ما سوف أشير إليه في هذا الأمر الرابع التالي :

الأمر الرابع : إنه اتحاد الكتاب والأدباء، وبداية الخطأ كان خطائي أنا وليس خطأ شخص آخر إذ سمحت بالتسجيل فيه في أواخر السبعينات قبل مداهمتي وأقول إنه خطائي لأن كلمة “كاتب” كلمة غربية مترجمة عن الانجليزية writer أو عن الفرنسية écrivain وهي لا تعني كتب يكتب فقط بل تعني رسالة وقضية ، لكن كلمة “كاتب” في ليبيا ذات طابع تركي : باش كاتب التي تعني موظفا في حكومة أو مخبرا أو مترجما وفي أحسن الأحوال تعني سكرتيرا وكل هذه المعاني لا علاقة لها بالمفهوم الحديث لكلمة كاتب، وفي أثناء وجودي عام 1980 في مستشفى 11 يونيو لقطاع النفط سمعت من المذياع إسمي مدعوا للاجتماع وهذا شيء غريب رغم أن كل إنسان يعرف أنني طريح الفراش علاوة على أنه ربما في ذلك الوقت كنت متهما كما عرفت الآن بما سمعت أنه “حزب البربر” ثم إذ بهذا الحزب إسمه الرسمي “رابطة المغرب الإسلامي” وفي ذلك الاجتماع سمعت أنكم اعترضتم على إسم “الاتحاد” واقترحتم بتغيير الإسم إلى “رابطة الكتاب والأدباء والفنانين” الأمر الذي يبدو أن كلمة “رابطة” تعجبكم كثيرا سواء في تسمية الحزب أو في تسمية هيئة المخبرين والمتسلقين الذين يدعون كتابا أو أدباء.

وفي عام 1983 بعثت برقية لأمين هذه الرابطة أن يشطب إسمي لأنها إذا كانت رابطة كتاب حقا لكانت قد تولت أمر إيفادي في الموعد المحدد وهو مارس 1983 لأنني كما سبق أن قلت رجعت من ألمانيا في 28/2/82 بناء على برقية من موسكو تفيد موعدا محددا لي في مارس 1983 وذلك بعد مراسلات بين المكتبين الشعبيين في بون وموسكو لكن هذه الرابطة لم تحرك ساكنا، وفي عام 1985 عينتم أمينا أو رئيسا لهذه الرابطة وفوجئت بسيل من الوجوه التي لا أعرفها تأتيني إلى بيتي بدعوى أنهم “كتاب” وأعضاء في هذه الرابطة، وفي شهر رمضان 85 فوجئت بدعوة لي من هذه الرابطة لأنها تقيم أمسيات أدبية فذهبت مرتين، المرة الأولى لأمسية شعرية ألقيت فيها قصائد فإذا بأمين الرابطة يطريها ويطريني وأوشك أن يجعل مني إله الشعر في ليبيا وفي الأمسية الثانية التي حضرتها وكانت قراءة لقصص قصيرة وكانت قصتي تدور حول “كاتب” كان في العهد الملكي السابق يكتب عن محاسن النظام السنوسي وليبيا السنوسية وبعد 1-9-1969 أصبح ثوريا.

(( وكانت هذه أخر كلمات الراحل: سعيد سيفاو المحروق، المسجلة في تلك المسودة التي كُتب لها أن لا تنتهي أبدا ))



الرد على هذا المقال



     Copyright ©2005-2018 Libya Imal, adeg n Libya n yimal D adeg yessuli apulee.com